تصعيد أسوأ من الحرب

فهد الخيطان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/16 الساعة 00:15
مذكرة التفاهم التي كان يفترض أن تكون أساسا لمفاوضات تفضي لاتفاق دائم بين واشنطن وطهران، تعثرت بعد أقل من شهر على توقيعها "عن بعد". اجتماع جنيف لم يسفر عن نتائج تذكر، ومحاولات الوسيطين القطري والباكستاني، أخفقت في احتواء التصعيد.



التيار المتشدد في القيادة الإيرانية ممثلا بالحرس الثوري، انقض على الاتفاق في الميدان، وعبر بوابة مضيق هرمز، في وقت تصاعدت فيه المشاعر القومية غداة تشييع جثمان المرشد الأعلى، ارتفع صوت المتشددين الداعين للانتقام. فاستفزوا ترامب ومعه العالم من الخاصرة الأشد إيلاما؛ مضيق هرمز، عندما أصروا على فرض موافقات مسبقة على مرور السفن، خلافا لنص البند الخامس من مذكرة التفاهم.

ترامب لا يحتاج لمن يتحداه، كي يعود للعبة القوة التي يفضلها في السياسة والحرب. لكن ليس على النحو الذي يرغب فيه نتنياهو وجيشه؛ حرب مفتوحة وشاملة بذات القدر من القوة في حرب الأربعين يوما.

تصعيد مدروس من الجانب الأميركي، وبضربات محدودة لا يتعدى نطاقها المناطق المحاذية للمضيق بعد إغلاقه في وجه الملاحة الإيرانية. أما الحرس الثوري الطامح لمواجهة أكبر، فقد وسع مساحة الرد لتشمل مواقع عديدة في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل التي يرابط فيها نحو ستة آلاف جندي أميركي ومئات الطائرات المقاتلة.

بيد أن هذا التصعيد على محدوديته حتى هذه اللحظة، خلف نفس القدر من التداعيات التي رافقت الحرب الواسعة قبل أشهر. أسعار النفط قفزت بنسبة 8 % في غضون ثلاثة أيام، وحركة الملاحة تراجعت بشكل كبير عبر المضيق، ويبدو أن حركة النقل الجوي في طريقها للتأثر، بعد تحذيرات أوروبية لخطوط طيرانها بتجنب الأجواء الخليجية.

وما يضاف سوءا على ذلك كله، ما يتركه هذا التصعيد من تأثيرات سلبية على مناخ الاستقرار في دول الخليج العربي، التي وظفت كل طاقتها ونفوذها للوصول إلى وقف إطلاق النار، وشرعت في ترميم أوضاعها الداخلية، واستعادة ثقة مجتمع الأعمال والاستثمار العالمي بنموذجها الاستثماري، وجاذبيتها الاقتصادية.

عادات صفارات الإنذار تدوي في سماء المدن الخليجية معلنة تلك الأيام القاسية على حياة مجتمعات لم تعرف سوى الازدهار والأمن لعقود طويلة.

مجددا أمن دول المنطقة العربية في الإقليم، يواجه اختبارا صعبا، وانتهاكا غير مسبوق، من أطراف إقليمية ودولية. وأكثر من ذلك تجاهلا يثير غضب القادة قبل الشعوب.

إيران بجناحها الثوري، استمرأت بعد المواجهتين الأخيرتين مع واشنطن وتل أبيب، ضرب العواصم الخليجية دون أدنى اعتبار للمصالح التاريخية المشتركة. ويبدو أنها، وفي ظل مشاعر النصر التي تلف خطابها الثوري، لن تتراجع عن سلوكها الجامح تجاه الجيران في الخليج العربي، وتمضي بفرض شروطها على الملاحة عبر مضيق هرمز، وفي معادلة الأمن الإقليمي.

ترامب الذي تحركه ردود أفعاله، لا يضع في اعتباره مصالح الحلفاء. قبل أقل من أسبوعين فقط كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يشارك قيادات دول الخليج اجتماعاتها، ويطلق الوعود ببيان مشترك بحفظ أمن واستقرار تلك الدول، وحماية مصالحها.

مايخشاه المراقبون والساسة في المنطقة، أن تستمر المواجهات المتقطعة بين الجانبين لفترة طويلة دون حسم عسكري، أو دبلوماسي. ما يعني أزمة طاقة مفتوحة، وتدهور اقتصادي عالمي، وحالة من عدم الاستقرار في المنطقة، تلقي بظلالها على أمن دولها وشعوبها. هذا على فرض أن يمسك قادة الحرس الثوري عن استهداف إسرائيل، وعندها سيكون نتنياهو حاضرا لجولة تدعم رصيده في الانتخابات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/16 الساعة 00:15