هل حلّ الحرس الثوري الإيراني مكان الولي الفقيه؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/14 الساعة 13:46
مدار الساعة - عبد الرؤوف سنّو (باحث ومؤرخ) -أثار المشهد الإيراني في الأشهر الأخيرة تحوّلًا لافتًا في بنية السلطة، إذ لم يعد الحرس الثوري يكتفي بقيادة العمليات العسكرية، بل بات يتصدر البيانات السياسية والأمنية المتوالية المتعلقة بالحرب، والملف النووي، ومضيق هرمز، والعلاقة مع دول الخليج العربية والولايات المتحدة. وفي المقابل، تراجع الحضور العلني لكل من وزارة الخارجية والجيش النظامي، كما غاب المرشد الجديد عن المشهد العام، خصوصا في مراسم دفن والده علي. ويطرح هذا الواقع تساؤلًا دستوريًا وسياسيًا بالغ الأهمية: هل ما تزال إيران تُدار عمليًا وفق نموذج ولاية الفقيه، أم أنها تشهد انتقالًا تدريجيًا نحو وصاية الحرس الثوري عليها، في ظل ابتعاده عن المشهد، ليطرح إشكالًا يتعلق بشرعية الحكم وآلية اتخاذ القرار داخل الدولة.
اصدار الحرس الثوري بيانات عسكرية وسياسية ليس أمرا جديدا في حد ذاته. فمنذ الحرب العراقية-الإيرانية، ولا سيما منذ التسعينيات من القرن الماضي، اعتاد الحرس الثوري إصدار بيانات مستقلة حول عملياته العسكرية والردعية، ومواقفه من السياسة الإقليمية. لكن هذه البيانات كانت تصدر دائمًا ضمن إطار واضح هو أن المرشد الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة وصاحب القرار النهائي.
واللافت هو تصدر الحرس الثوري المشهد السياسي في الوقت الراهن فعليًا، في ظل غياب القيادة العليا المرئية. وقد أشاع الرئيس ترامب عن احتمال وفاة المرشد الجديد مجبتى بنسبة 90%. وفي هذا السياق، تكتسب البيانات الصادرة عن الحرس الثوري ثقلا سياسيا أكبر، لأن الرأي العام بدأ بالتساؤل: من يدير القرار في إيران فعلياً؟ وهذا ما يفسر كثرة التحليلات التي تتحدث عن انتقال مركز الثقل إلى المؤسسة العسكرية أو إلى قيادة جماعية، لكن هذه تبقى تحليلات وليست دليلًا قاطعًا.
في آخر شباط/فبراير 2026، قتل علي خامنئي وخلفه نجله مجتبى، لكنه ظل غائبا عن الظهور العلني، حتى إن رويترز وصفت غيابه بأنه أصبح عبئا على النظام، مشيرة إلى اعتماده على علاقته الوثيقة بالحرس وإلى مشاركة الأخير في اتخاذ القرارات من وراء الستار. وفي ظل هذا الفراغ والغموض، لا يكتفي الحرس بوظيفته العسكرية. فهو يعلن عن العمليات والردود على الولايات المتحدة، ويقرر أن إيران هي التي تحدد موعد انتهاء الحرب، ويضع قواعد الردع والخطوط الحمراء. كما يوجه رسائل إلى واشنطن ودول الخليج العربية، ويقصف قواعد الأولين في دولة الخليج، كما مناطق خليجية مدنية واقتصادية. وهو يمسك بالقوة الصاروخية البالستية وبقوة بحرية (الزوارق الانتحارية)، وبأهم أدوات النفوذ الإقليمي.
وعندما يقول المتحدث باسم الحرس إن "إيران ستقرر متى تنتهي الحرب"، فهذا ليس قرارًا عسكريًا بل إعلانٌ لقرار سيادي يتعلق بالحرب والسلام، يفترض دستوريًا أن يصدر عن المرشد أو مؤسسات الدولة العليا. فالدستور الإيراني لا يمنح الحرس هذه المكانة. فالولي الفقيه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحدد السياسات العامة، بينما تتولى الحكومة ووزارة الخارجية العلاقات الدولية. أما الحرس فوظيفته الدستورية حماية الثورة والنظام. لكن الواقع الراهن عكس ذلك. وبدلًا من أن يكون الحرس أداة في يد القيادة السياسية، أصبحت القيادة السياسية تعتمد عليه للبقاء وإدارة الحرب وفرض الانضباط الداخلي، وقمع التمردات الشعبية التي تريد إسقاط النظام.
صحيح، أن النظام الإيراني من الناحية البنيوية ليس قائما على شخص واحد فقط، بل على شبكة مؤسسات، لكن البيانات التفصيلية اللاحقة: تحديد الأهداف، ومراحل العمليات، والتهديدات السياسية بشأن مضيق هرمز، تصدر اليوم باسم الحرس الثوري وحده. وهذا التفاوت المؤسسي يعود إلى عدة أسباب:
1- لم يعد الجيش النظامي الإيراني هو صاحب القوة الهجومية الاستراتيجية الأساسية. فالقوة الصاروخية الباليستية، والمسيّرات الهجومية، وفيلق القدس، والقسم الأكثر تأثيرًا من العمليات البحرية في الخليج، تقع أساسا في يد الحرس الثوري. لذلك يعلن الحرس عن العمليات التي ينفذها بنفسه، ثم يحوّل البيان العسكري إلى موقف سياسي.
2- ليست وزارة الدفاع الإيرانية قيادة عمليات بالمعنى المعتاد. فهي تحمل اسم "وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة"، وتتمثل وظيفتها الأساسية في التسليح، والصناعات الدفاعية، والتمويل والإمداد والتنسيق اللوجستي. أما القيادة الفعلية للعمليات فتعود إلى هيئة الأركان والقيادات العسكرية. ولهذا لا تصدر الوزارة بيانات يومية عن الضربات، وإن كان القائم بأعمال وزير الدفاع قد أعلن في مطلع تموز/يوليو الجاري أن القدرات الصاروخية والمسيّرة "خط أحمر" غير قابل للتفاوض.
3- تتقاطع تقارير صحافية متعددة، على أن مجتبى خامنئي كان مرشح الحرس الثوري المفضل، وأن قادته مارسوا نفوذًا وضغوطًا لترجيح انتخابه داخل مجلس الخبراء؛ غير أن سرية عملية الخلافة واعتماد معظم التقارير على مصادر مجهولة لا تسمح بالجزم بأن الحرس انفرد بفرض اختياره. لكن صحيفة "إيران إنترناشيونال" نشرت قبيل الإعلان عن مجبتى كخليفة للولي الفقيه، أن قادة في الحرس اتصلوا بأعضاء مجلس الخبراء ومارسوا عليهم ضغوطًا سياسية ونفسية للتصويت له، عبر لقاءات واتصالات هاتفية. وهذا هو المصدر الأكثر صراحة في القول إن الحرس لم يكتف بتأييده، بل حاول التأثير مباشرة في التصويت. غير أن خصومة هذه المؤسسة مع النظام الإيراني تقتضي التعامل مع روايتها بحذر.
اصدار الحرس الثوري بيانات عسكرية وسياسية ليس أمرا جديدا في حد ذاته. فمنذ الحرب العراقية-الإيرانية، ولا سيما منذ التسعينيات من القرن الماضي، اعتاد الحرس الثوري إصدار بيانات مستقلة حول عملياته العسكرية والردعية، ومواقفه من السياسة الإقليمية. لكن هذه البيانات كانت تصدر دائمًا ضمن إطار واضح هو أن المرشد الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة وصاحب القرار النهائي.
واللافت هو تصدر الحرس الثوري المشهد السياسي في الوقت الراهن فعليًا، في ظل غياب القيادة العليا المرئية. وقد أشاع الرئيس ترامب عن احتمال وفاة المرشد الجديد مجبتى بنسبة 90%. وفي هذا السياق، تكتسب البيانات الصادرة عن الحرس الثوري ثقلا سياسيا أكبر، لأن الرأي العام بدأ بالتساؤل: من يدير القرار في إيران فعلياً؟ وهذا ما يفسر كثرة التحليلات التي تتحدث عن انتقال مركز الثقل إلى المؤسسة العسكرية أو إلى قيادة جماعية، لكن هذه تبقى تحليلات وليست دليلًا قاطعًا.
في آخر شباط/فبراير 2026، قتل علي خامنئي وخلفه نجله مجتبى، لكنه ظل غائبا عن الظهور العلني، حتى إن رويترز وصفت غيابه بأنه أصبح عبئا على النظام، مشيرة إلى اعتماده على علاقته الوثيقة بالحرس وإلى مشاركة الأخير في اتخاذ القرارات من وراء الستار. وفي ظل هذا الفراغ والغموض، لا يكتفي الحرس بوظيفته العسكرية. فهو يعلن عن العمليات والردود على الولايات المتحدة، ويقرر أن إيران هي التي تحدد موعد انتهاء الحرب، ويضع قواعد الردع والخطوط الحمراء. كما يوجه رسائل إلى واشنطن ودول الخليج العربية، ويقصف قواعد الأولين في دولة الخليج، كما مناطق خليجية مدنية واقتصادية. وهو يمسك بالقوة الصاروخية البالستية وبقوة بحرية (الزوارق الانتحارية)، وبأهم أدوات النفوذ الإقليمي.
وعندما يقول المتحدث باسم الحرس إن "إيران ستقرر متى تنتهي الحرب"، فهذا ليس قرارًا عسكريًا بل إعلانٌ لقرار سيادي يتعلق بالحرب والسلام، يفترض دستوريًا أن يصدر عن المرشد أو مؤسسات الدولة العليا. فالدستور الإيراني لا يمنح الحرس هذه المكانة. فالولي الفقيه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحدد السياسات العامة، بينما تتولى الحكومة ووزارة الخارجية العلاقات الدولية. أما الحرس فوظيفته الدستورية حماية الثورة والنظام. لكن الواقع الراهن عكس ذلك. وبدلًا من أن يكون الحرس أداة في يد القيادة السياسية، أصبحت القيادة السياسية تعتمد عليه للبقاء وإدارة الحرب وفرض الانضباط الداخلي، وقمع التمردات الشعبية التي تريد إسقاط النظام.
صحيح، أن النظام الإيراني من الناحية البنيوية ليس قائما على شخص واحد فقط، بل على شبكة مؤسسات، لكن البيانات التفصيلية اللاحقة: تحديد الأهداف، ومراحل العمليات، والتهديدات السياسية بشأن مضيق هرمز، تصدر اليوم باسم الحرس الثوري وحده. وهذا التفاوت المؤسسي يعود إلى عدة أسباب:
1- لم يعد الجيش النظامي الإيراني هو صاحب القوة الهجومية الاستراتيجية الأساسية. فالقوة الصاروخية الباليستية، والمسيّرات الهجومية، وفيلق القدس، والقسم الأكثر تأثيرًا من العمليات البحرية في الخليج، تقع أساسا في يد الحرس الثوري. لذلك يعلن الحرس عن العمليات التي ينفذها بنفسه، ثم يحوّل البيان العسكري إلى موقف سياسي.
2- ليست وزارة الدفاع الإيرانية قيادة عمليات بالمعنى المعتاد. فهي تحمل اسم "وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة"، وتتمثل وظيفتها الأساسية في التسليح، والصناعات الدفاعية، والتمويل والإمداد والتنسيق اللوجستي. أما القيادة الفعلية للعمليات فتعود إلى هيئة الأركان والقيادات العسكرية. ولهذا لا تصدر الوزارة بيانات يومية عن الضربات، وإن كان القائم بأعمال وزير الدفاع قد أعلن في مطلع تموز/يوليو الجاري أن القدرات الصاروخية والمسيّرة "خط أحمر" غير قابل للتفاوض.
3- تتقاطع تقارير صحافية متعددة، على أن مجتبى خامنئي كان مرشح الحرس الثوري المفضل، وأن قادته مارسوا نفوذًا وضغوطًا لترجيح انتخابه داخل مجلس الخبراء؛ غير أن سرية عملية الخلافة واعتماد معظم التقارير على مصادر مجهولة لا تسمح بالجزم بأن الحرس انفرد بفرض اختياره. لكن صحيفة "إيران إنترناشيونال" نشرت قبيل الإعلان عن مجبتى كخليفة للولي الفقيه، أن قادة في الحرس اتصلوا بأعضاء مجلس الخبراء ومارسوا عليهم ضغوطًا سياسية ونفسية للتصويت له، عبر لقاءات واتصالات هاتفية. وهذا هو المصدر الأكثر صراحة في القول إن الحرس لم يكتف بتأييده، بل حاول التأثير مباشرة في التصويت. غير أن خصومة هذه المؤسسة مع النظام الإيراني تقتضي التعامل مع روايتها بحذر.
من هنا، يكشف الفراغ الحاصل في القيادة العليا، وشبه الصمت لمؤسسات النظام، وسيلان تصريحات الحرس الثوري العسكرية والسياسية والاستراتيجية عن الحرب الدائرة في المنطقة، وتحييد نفسه عن الاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية عراقجي مع الأميركيين، بأنه لا يتحدث هنا بصفته فرعًا عسكريًا موازيًا للجيش فحسب؛ بل يتحدث باسم الدولة في قضايا الحرب، والردع، والمفاوضات، والسيادة على مضيق هرمز. فلم يكتف في بياناته الأخيرة بوصف الضربات التي يكيلها للأميركيين أو لدول عربية فحسب، بل يقرر أن المضيق "أرض إيرانية"، بل حدد ما يعتبره تدخلًا أجنبيًا غير مشروع، وهذه لغة سيادية وسياسية تتجاوز وظيفة المؤسسة العسكرية المعتادة. وبذلك، كل الحرس الثوري يتجاوز وظيفته الدستورية؛ فالمرشد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحدد السياسات العامة، بينما تتولى الحكومة ووزارة الخارجية العلاقات الدولية.
وللحرس الثوري مواقف لافته في مسألتي الملف النووي الإيراني ومضيق هرمز كمعبر بحري فارسي. فبينما يضع سقوفا للتفاوض في الملف النووي، فهو يرسم الخطوط الحمراء ويضع القواعد السيادية في مضيق هرمز وينفذها؛ ولذلك يشكل سلوكه في المضيق المؤشر الأوضح على تحوله من ذراع عسكرية لولاية الفقيه إلى مركز للسلطة الفعلية في الدولة. وبالنسبة إلى دول الخليج العربية، فهو يمارس وظيفة السياسة الخارجية والعسكرية؛ يهدد، ويبرر، ويحدد شروط العلاقة مع هذه الدول.
أخيرا: لا تزال إيران دستوريًا تحت ولاية الفقيه، لكنها تتجه سياسيا وعمليا نحو ولاية الحرس الثوري، بعدما أصبحت السلطة الفعلية في قضايا الحرب والسلم والعلاقات الإقليمية أصبحت تميل بصورة متزايدة إليه، حتى مع بقاء البنية الدستورية الرسمية على حالها. فهل تصبح إيران خاضعة لولاية الفقيه للحرس الثوري، بينما تعاني المنطقة من أذرعه المسلحة التي تغلّب التبعية له على مصالح بلدانها ومجتمعاتها؟
وللحرس الثوري مواقف لافته في مسألتي الملف النووي الإيراني ومضيق هرمز كمعبر بحري فارسي. فبينما يضع سقوفا للتفاوض في الملف النووي، فهو يرسم الخطوط الحمراء ويضع القواعد السيادية في مضيق هرمز وينفذها؛ ولذلك يشكل سلوكه في المضيق المؤشر الأوضح على تحوله من ذراع عسكرية لولاية الفقيه إلى مركز للسلطة الفعلية في الدولة. وبالنسبة إلى دول الخليج العربية، فهو يمارس وظيفة السياسة الخارجية والعسكرية؛ يهدد، ويبرر، ويحدد شروط العلاقة مع هذه الدول.
أخيرا: لا تزال إيران دستوريًا تحت ولاية الفقيه، لكنها تتجه سياسيا وعمليا نحو ولاية الحرس الثوري، بعدما أصبحت السلطة الفعلية في قضايا الحرب والسلم والعلاقات الإقليمية أصبحت تميل بصورة متزايدة إليه، حتى مع بقاء البنية الدستورية الرسمية على حالها. فهل تصبح إيران خاضعة لولاية الفقيه للحرس الثوري، بينما تعاني المنطقة من أذرعه المسلحة التي تغلّب التبعية له على مصالح بلدانها ومجتمعاتها؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/14 الساعة 13:46