منابر بلا ضوابط.. حين تتحول الشاشات إلى ساحات للانتقام

الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 15:46
في عصر باتت فيه المعرفة والعالم بين راحة اليد، بلمسة واحدةٍ وإشارة عابرة نشأت ظاهرةٌ أعادت تشكيل مفهوم التواصل البشري من جذوره إنها منصات التواصل الاجتماعي، ذلك الفضاء اللامتناهي الذي يستوعب اليوم أكثر من خمسة مليارات نسمة، يعيشون في واقعٍ افتراضيٍ لا جدران له، ولا حدود تفصل بين أحلامهم ويقظتهم لم تعد هذه المنصات مجرد تطبيقات تقنية بل صارت مرآةً رقميَّةً تعكس جوهر الروح الإنسانيَّة في عصر تتسارع فيه المتغيرات.

تُتيح هذه الفضاءات للأفراد خلق المحتوى ونشره والنقاش حوله في زمن قياسي مختزلةً بُعد المسافات ومتجاوزةً كلَّ عائق جغرافي. لم يعد اللقاء بين الأفكار وتبادل الثقافات رهناً بالحدود المادِّية بل أصبح ممكناً بلحظات. لكن، وكما هي حال كلِّ ابتكار بشري تحمل هذه المنصات في طيَّاتها وجهين: نوراً وظلاماً، أملاً ويأساً، خيراً وشراً.

لا يُنكر منصف ما أسدته هذه الشبكات للبشرية من منافع جليلة فهي، في صورتها المشرقة، بوابةٌ مفتوحة للمعرفة، إذ يمكن لطفلٍ في قريةٍ نائيةٍ أن يحضر محاضرات من أعرق جامعات العالم من دون مغادرة غرفته. كما صارت منبراً للمهمشين، وصوتاً للمظلومين، وميداناً لنشر الوعي وقيم التسامح وفي أوقات المحن، كانت السوشيال ميديا حبل نجاة يربط الملهوفين بمن يغيثهم وأذناً تلتقط صرخات من تُهمشهم وسائل الإعلام التقليدية إنها باختصار ثورةٌ أعادت تعريف مفهوم "القرية الكونية" الذي سبق أن تنبَّأ به المفكرون.

لكن لكلِّ ضوءٍ ظلاله. فهذه المنصات التي ترفع شعار الحرية، تتحوَّل في أحيانٍ كثيرة إلى ساحاتِ حربٍ ضارية. ففي غياب الضوابط الأخلاقيَّة والقوانين الزاجرة، تنتشر الإشاعات كالنار في الهشيم، وتتضاعف الأخبار الزائفة بسرعةٍ تفوق قدرة العقل على التمييز بين الغثِّ والثمين والأخطر أنها أنتجت جيلاً يئنُّ تحت وطأة القلق والاكتئاب، يُقارن حياته اليوميَّة بلقطاتٍ مثاليَّةٍ مصنوعةٍ لا تمتُّ للحقيقة بصلة، ويطارد إعجاباتٍ وهميَّة تمنحه نشوةً عابرةً سرعان ما تخلفُ وراءها فراغاً وجودياً.

وفي أبشع تجلِّياتها، تتحول السوشيال ميديا إلى حلبةٍ للانتقام الشخصي والتشهير الممنهج. كم من إنسانٍ بريء سويت سمعته في ثوانٍ، بمجرد أن انتشرت عنه لقطةٌ جانبيةٌ أو خبرٌ مختلق، فيجد نفسه وحيداً في مواجهة سيلٍ من الاتهامات، دون أن يُتاح له حقُّ الدفاع عن نفسه أمام محكمةٍ افتراضيةٍ لا قضاة لها ولا محلفين يتحول الأفراد إلى ضحايا إعدامٍ رقميٍّ، حيث يُصدر الحكم علناً، وتُنفَّذ العقوبة في صمت، مخلفةً عائلاتٍ مفكَّكة، وحياةً مدمرةً، وأحلاماً تبددت في فضاءٍ لا يرحم والأكثر إيلاماً أن المنتقمين يجدون في حسابات وهميَّة ملاذاً آمناً، متحصنين بشعار حرية التعبير ليبثوا سمومهم من دون خوفٍ من مساءلة.

أما ظاهرة إسكات الأصوات، فهي الوجه الآخر لهذا التشهير. فنشهد يومياً حملاتٍ منظمةً لاستهداف الشخصيات العامة والناشطين بموجات من البلاغات الكاذبة، تؤدي إلى غلق حساباتٍ بنيتْ على مدى سنين. وفي المقابل، يصادر أفرادٌ حقَّ غيرهم في الاختلاف، فيحذفون تعليقاتهم ويحظرونهم، وكأنهم وحدهم يملكون الحقيقة. وهذا الفعل، رغم بساطته يكشف عن أزمةٍ في تقبُّل الرأي الآخر ويحوِّل الفضاء الرقمي إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف.

تبقى السوشيال ميديا أداةً كالسكين بيد الطبيب تشفي وبيد القاتل تدمي إنها مرآةٌ تعكس ما في نفوسنا من خيرٍ وشر، وحكمةٍ وطيش. والحلُّ ليس في التخلِّي عنها، فهذا مستحيلٌ في زمننا، بل في توعية أنفسنا وأبنائنا على استعمالها بحكمةٍ ومسؤولية، وفي وضع تشريعات تحمي الأفراد من التنمُّر والتشهير، وفي ترسيخ ثقافةٍ رقمية تقوم على الاحترام والتسامح فهذه المنصات بما تحمله من إمكانيات هائلة تستحقُّ منَّا أن نتعامل معها كجسر للتواصل لا كسيفٍ للتقسيم وأن نتذكر دوماً أن خلف كل حساب إنساناً له كرامته وحقه في أن يُعامل كما يحبُّ أن يُعامِل، في الواقع والافتراض سواء بسواء.

أودّ أن أشير إلى أن بعض القضايا البناءة (قضايا رأي عام) التي تُطرح على منصات التواصل الاجتماعي تمثّل قضايا رأي عام حقيقية، تستوجب ردّاً رسمياً واضحاً وصريحاً من مسؤول مخوّل لكن عندما يخرج وزير الاتصال الحكومي ليؤكد أن الإجراءات المتّبعة "صحيحة وسليمة"، فإن هذا النوع من التبرير في غياب التفاصيل والشفافية قد يزيد الفجوة بين المواطن والمؤسسة، ويجعل الصمت أحياناً أبلغ من كلام لا يلامس حاجة الناس الفعلية، ولا يردّ على تساؤلاتهم الجوهرية بل يفقد مصداقيته في عين الرأي العام الذي ينتظر موقفاً لا تفسيراً.

سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه.

حمى الله الاردن وقيادته الهاشمية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 15:46