جيل كامل يعيش على البطارية المنخفضة

أ.د. نورس شطناوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 14:48
لم يعد الإرهاق حالة عابرة يمر بها الإنسان في موسم عمل شاق أو ظرف استثنائي، بل أصبح سمة تلازم تفاصيل الحياة اليومية. ثمة جيل كامل يستيقظ وهو يشعر بأنه لم ينل قسطاً كافياً من الراحة، يمضي يومه محاولاً الحفاظ على الحد الأدنى من الطاقة التي تمكنه من إنجاز واجباته، ثم يعود إلى فراشه ليكتشف أن النوم لم يعد كفيلاً بإعادة شحن ما استنزفته ساعات النهار. وكأن ملايين البشر يعيشون على (البطارية المنخفضة)؛ يتحركون ويعملون ويبتسمون ويتفاعلون مع من حولهم، بينما يخفون في أعماقهم إرهاقاً صامتاً لا يراه أحد.

والمفارقة أن هذا الجيل لا يواجه حروباً عالمية شاملة، ولا مجاعات تضرب المدن، ولا كوارث بالمعنى الذي عرفته الأجيال السابقة، ومع ذلك يبدو أكثر إنهاكاً من كثير ممن عاشوا ظروفاً أقسى. فالضغوط الحديثة لم تعد أحداثاً استثنائية تقع ثم تنتهي، وإنما تحولت إلى حالة دائمة تتسلل إلى الإنسان يوماً بعد يوم. ارتفاع تكاليف المعيشة، والقلق المستمر من المستقبل، وسوق عمل متغير لا يمنح كثيراً من اليقين، إضافة إلى المقارنات اليومية التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل تصنع شعوراً دائماً بأن الإنسان يركض دون أن يصل، وأنه مهما أنجز يبقى متأخراً عن الآخرين أو عن الصورة التي رسمها لنفسه.

لقد أصبح الإنجاز في عصرنا معياراً يقاس به الإنسان باستمرار. حتى الراحة باتت تحتاج إلى مبرر، وكأن الاسترخاء نوع من التقصير، بينما تحولت الهوايات عند كثيرين إلى مشاريع يجب أن تحقق مردوداً أو نجاحاً أو حضوراً رقمياً. وأصبح الفرد مطالباً بأن ينجح مهنياً، وأن يطور مهاراته باستمرار، وأن يحافظ على حضوره الاجتماعي، وأن يبدو متماسكاً نفسياً في الوقت نفسه. هذه المطالب المتراكمة صنعت شكلاً جديداً من الإرهاق، لا يرتبط بعضلات الجسد بقدر ما يرتبط بثقل الذهن واستنزاف المشاعر.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيرين فقدوا القدرة على تذوق الراحة الحقيقية. فالهواتف الذكية التي جاءت لتقرب المسافات، أصبحت تحمل الضغوط إلى غرف النوم. يبدأ اليوم بالإشعارات وينتهي بالمقارنات، بينما تتدفق أمام الإنسان صور النجاح والسفر والرفاهية والإنجاز، فيبدو له وكأن الجميع يعيش حياة أفضل منه. ومع أن كثيراً مما يُعرض على الشاشات ليس سوى لحظات مختارة بعناية، إلا أن أثرها النفسي يتراكم بهدوء، حتى يصبح الإنسان أسيراً لصورة مثالية للحياة يصعب تحقيقها في الواقع.

ورغم كل ذلك، يواصل هذا الجيل أداء أدواره اليومية بكثير من الصبر. يذهب إلى عمله، ويحضر مناسباته، ويؤدي مسؤولياته، ويبتسم في وجوه الآخرين، بل ويستخدم السخرية أحياناً وسيلة لتخفيف وطأة الضغوط. وربما لهذا انتشرت بين الشباب لغة الفكاهة الساخرة، ليس لأنها تعبير عن اللامبالاة، وإنما لأنها أصبحت إحدى وسائل التكيف مع واقع يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

وإذا تأملنا أحلام الشباب اليوم، سنجد أنها اختلفت كثيراً عما كانت عليه في الماضي. فبعد أن كانت الطموحات تتجه نحو الثراء أو الشهرة أو المناصب، أصبح كثيرون يحلمون بأشياء أكثر بساطة: دخل يوفر حياة كريمة، وبيت هادئ، وعلاقة مستقرة، ونوم خالٍ من القلق، ويوم عادي لا يحمل مفاجآت مرهقة. وهذا التحول ليس دليلاً على تراجع الطموح، بقدر ما يعكس حجم الضغوط التي جعلت الطمأنينة نفسها هدفاً يسعى إليه الإنسان.

ومن الخطأ أن يُنظر إلى هذا الجيل بوصفه جيلاً كسولاً أو أقل قدرة على التحمل. فالواقع يشير إلى أنه يواجه تحديات لم تعرفها الأجيال السابقة بهذا الشكل المركب؛ تحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية ورقمية تتداخل جميعها في آن واحد. إنه جيل يخوض معركة يومية للحفاظ على توازنه، ويحاول أن يبقى متماسكاً وسط عالم سريع الإيقاع، شديد التنافس، ومتقلب المعايير.

ولعل ما يحتاجه هذا الجيل أكثر من أي وقت مضى ليس مزيداً من النصائح حول النجاح، بل مساحة يستعيد فيها إنسانيته بعيداً عن ضغوط الأداء الدائم. يحتاج إلى ثقافة تعيد الاعتبار للراحة، وإلى بيئة تدرك أن الإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف، وأن قيمته لا تقاس فقط بما ينتجه أو يحققه. فالطاقة البشرية، مهما بلغت، لها حدود، ومن يعيش طويلاً على البطارية المنخفضة قد يواصل السير، لكنه سيفقد شيئاً من ذاته في الطريق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/13 الساعة 14:48