مراقبة أداء الدولة.. أم مراقبة سقوطها؟

مكرم الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 23:18
من يراقب مواقع التواصل الأردنية من الخارج، لا شك سيحكم بأنه ما من شيء يسير في الاتجاه الصحيح، وأن البلد لا يشتمل على أي مؤسسات، ولا يسيّره أي قانون.

قضية حديقة "السوسنة السوداء" التي تفاعل معها كثيرون خلال الأسبوع الماضي، وانقسم فيها الرأي العام بسرعة إلى فريقين، كل منهما حمل وجهة نظر طرف ضد آخر قبل انتظار نتائج التحقيق في الوقائع. القضية كانت اختبارا لطبيعة خطابنا العام، وللكيفية التي نتعامل بها مع الأحداث الوطنية، فثمة فرق كبير بين أن نراقب أداء الدولة، أو أن نراقبها ونحن ننتظر سقوطها، فلا يجوز أن نحاكم الدولة كلها بسبب خطأ، أو حتى بسبب رواية لم تكتمل بعد.

الجدل لم يقتصر على القضية نفسها، بل امتد إلى التشكيك في مؤسسات الدولة وإجراءاتها بصورة عامة، وهو تشكيك اعتدنا عليه، واعتدنا على أن نسمعه من الداخل قبل الخارج. هذا السلوك أصبح نمطا يتكرر مع كل قضية، فما إن تظهر حادثة جديدة حتى تبدأ "محكمة" وسائل التواصل الاجتماعي عملها بتوزيع الاتهامات وإصدار الأحكام، والعمل بهمة على إدانة الأشخاص والمؤسسات، ثم الانتقال بسرعة إلى التشكيك بالدولة نفسها، وكأن كل خطأ إداري، أو قرار قابل للنقاش، أو حالة فساد، هو دليل على انهيار منظومة كاملة.

هذه النظرة ليست عادلة ولا تخدم الإصلاح الذي يطالب به الجميع. لا أحد يستطيع الادعاء أن الأردن خال من الأخطاء أو الفساد أو المحسوبية. في كل مؤسسة هناك من يجتهد، ويوجد من يخطئ أو يسيء استخدام موقعه، لذلك وجدت القوانين وهيئات الرقابة والقضاء والإعلام.

لكن الخطأ يبدأ عندما نفقد القدرة على التمييز بين المؤسسة ومن يديرها، وبين الدولة وبعض المسؤولين فيها. المسؤول قد يخطئ فيحاسب، وقد يغادر موقعه، أما الدولة فليست شخصا أو حكومة عابرة أو قرارا واحدا، فهي بناء تراكمي تشكل عبر عقود طويلة، وأسهمت فيه آلاف الكفاءات التي عملت بصمت بعيدا عن الضجيج.

لولا هذا البناء المؤسسي، لما استطاع الأردن أن يصمد أمام ما واجهه خلال العقود الماضية من حروب وأزمات اقتصادية وموجات لجوء وتحديات أمنية تفوق قدراته وموارده، ومع ذلك، بقي حاضرا، واستمرت مؤسساته في أداء وظائفها، وحافظ على استقراره، وحقق إنجازات في التعليم والصحة والخدمات والإدارة العامة.

هذا لا يعني أن الصورة مثالية، لكنها بالتأكيد ليست سوداء كما يرسمها الخطاب الإلكتروني الذي يقدم الأردن للعالم وكأنه بلد بلا قانون ولا مؤسسات، ومن المؤسف أن بعضنا يسهم في صناعة هذه الصورة، فالمنشورات التي تكتب تحت تأثير الغضب والروايات غير المكتملة، تتحول إلى مادة يقرأها العالم، ويكون من خلالها انطباعه عن الدولة والمجتمع.

من حق أي مواطن أن ينتقد، لكن من حق الوطن أيضا ألا يختزل في أخطاء، أو يحاكم من خلال قضية واحدة. الرقابة الشعبية قيمة ديمقراطية لا يجوز التفريط بها، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى بديل عن القضاء، أو إلى منصة لإصدار الأحكام ووسيلة لتصفية الحسابات والانتصار للرواية التي نفضلها.

وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تمنح الانفعال أولوية على التحقق، وتفضل توزيع الاتهامات، لتصبح الحقيقة هي آخر ما يصل إلى الناس، بعد أن تكون الأحكام قد استقرت في أذهانهم.

الأردن بحاجة إلى مواطن يراقب ويسائل ويطالب بالمحاسبة، لكنه بحاجة أيضا إلى مواطن يثق بأن مؤسسات بلده قادرة على التصحيح، فالمواطنة توجب تقوية أدوات الدولة الرقابية والقضائية، والعدالة لا تتحقق بأكثر المنشورات انتشارا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 23:18