مهم للصحفيين الأردنيين.. تسجيل المكالمات الهاتفية هل يعتبر جريمة في كل الحالات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 20:45
حين نقترب من عالم الصحافة، فإننا لا نتحدث عن مهنة فقط، بل نحن في الحقيقة نلج إلى أرشيف ممتد من المعاناة الإنسانية والبحث الدؤوب عن الحقيقة.
لقد قيل طويلاً، وبكثير من الصدق، إن الصحافة هي "مهنة المتاعب"، لكن التدقيق في عبارات هذا الوصف يرينا أن المتاعب ليست سوى القشرة الخارجية لعملية معقدة، تتماس فيها خطوط النار مع خطوط القانون.
إن الصحفي، بطبيعة دوره، يتحرك في مساحة ملأى بالتناقضات؛ هو مطالب بالركض وراء الخبر في زمن يتدفق بسرعة فائقة، ومطالب في الوقت ذاته بالتريث والتحقق، لكي يزن كلماته بميزان الصائغ وسط غبار الإشاعات والتضليل.
هي موازنة شبه مستحيلة بين "سرعة النشر" و"أمانة المحتوى". وإذا كان الصحفي في غمار الحروب والكوارث يضع حياته على كفه، فإن الصحفي في غرف الأخبار وبين دفتي الوثائق يضع حريته ومستقبله المهني على المحك، حيث تتربص به الضغوط السياسية والمساءلات القانونية التي تحركها مؤسسات أو أفراد، فضلاً عن وطأة الضمير الأخلاقي والإنهاك النفسي في مهنة لا تعرف للنوم ساعات، ولا تعترف بالعطلات الإضافية.
هنا، وفي هذا المناخ العاصف، تصبح القوانين بمثابة خريطة الطريق التي تحمي الصحفي من السقوط في دائرة التجريم. ومن أبرز التحديات التي تواجه العمل اليومي: معضلة "التسجيل الصوتي" للمقابلات والمحادثات.
وفي الأصل المقرَّر دستورياً وقانونياً، لا يملك الصحفي حق تسجيل أي مقابلة إلا بإذن واعٍ وموافقة صريحة من الطرف الآخر. فقد أحاط الدستور الأردني في مادته الثامنة عشرة المراسلات والاتصالات بسياج متين من السرية، وهو ما عززته تشريعات الجرائم الإلكترونية والعقوبات وحماية البيانات الشخصية.
لكن الواقع العملي يضع الصحفي أحياناً أمام مأزق أخلاقي ومهني؛ حيث يضطر في مواجهة "المسؤول" إلى تسجيل المكالمة الهاتفية، لا لشيء إلا تحصنا بالدليل، وخوفا من انقلاب الموقف، أو تراجع المسؤول عما أدلى به، أو الادعاء بأن كلامه قد اجتُزئ من سياقه. وهنا يصطدم الصحفي بنص المادة 71 من قانون الاتصالات، التي تصم الفعل بعبارات حاسمة:
"كل من نشر أو أشاع مضمون أي إتصال بواسطة شبكة إتصالات عامة او خاصة أو رسالة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (100) دينار ولا تزيد على (300) دينار أو بكلتا العقوبتين".
هنا يثور السؤال الجوهري، والذي يلامس فلسفة القانون والعدالة: هل يجوز تسجيل المكالمة إذا كانت هي ذاتها وعاءً لجرم وقع على المتلقي، كالسب، أو الذم، أو الابتزاز، أو التهديد؟
إن القانون الذي أقام حرمة للحياة الخاصة وسرية المحادثات، لم يقصد أبداً أن تتحول هذه الحرمة إلى "درع يحمي المعتدي"، أو أن يظل المجني عليه أعزل، عاجزًا عن إقامة البرهان على ما وقع عليه من عدوان. حين تتحول وسيلة الاتصال إلى أداة اعتداء، فإن التسجيل هنا ينقلب من محاولة لانتهاك السر إلى "وسيلة دفاع مشروعة"، تصون الحق وتدفع الظلم، وتتحول المكالمة في يد الضحية إلى وثيقة إدانة للمعتدي.
لقد تصدى القضاء الأردني لهذه المعضلة بقراءة واعية وعميقة، أسست لتمايز دقيق بين انتهاك الخصوصية وبين ممارسة حق الدفاع. وحين قارب القضاء نص المادة 348 مكرر من قانون العقوبات، فكك أركان الجريمة بوعي قانوني رفيع:
• الركن المادي: ويتمثل في السلوك الذي يتجاوز خصوصية المجني عليه دون رضاه (كاستراق السمع، أو البصر، أو التسجيل الصوتي أثناء ممارسته لحياته اليومية).
• محل الجريمة: وهو "الحق في الحياة الخاصة"، ذلك الحيز المكانى أو الافتراضي الذي يعد مستودع أسرار صاحبه، والذي لا يبيح لأحد الاطلاع عليه.
• الركن المعنوي: القصد الجنائي القائم على إرادة خرق هذه الحرمة مع العلم بانتفاء الرضا.
عند تطبيق هذه الفلسفة القضائية على حالة قيام أحد أطراف المكالمة بتسجيلها، استقر الاجتهاد القضائي على أن هذا الفعل لا يشكل خرقا للحياة الخاصة.
والعلة في ذلك واضحة وبسيطة: إن المكالمة الهاتفية المتبادلة بين طرفين تخرج بطبيعتها عن حيز "الأسرار المستقلة" التي يستأثر بها طرف دون الآخر. فالشخص الذي يسجل مكالمة هو طرف أصيل فيها، ولم يسترق السمع على غيب، ولم يقتحم حيزًا مكانيًا مغلقًا، بل هو شريك في الحديث. وبناءً عليه، فإن فحوى المكالمة المتبادلة يفقد صفة السرية المطلقة تجاه الطرف الآخر، مما ينفي عن فعل التسجيل من قبل أحد أطرافها وصف الجريمة المعاقب عليها بموجب المادة 348 مكرر.
لقد قيل طويلاً، وبكثير من الصدق، إن الصحافة هي "مهنة المتاعب"، لكن التدقيق في عبارات هذا الوصف يرينا أن المتاعب ليست سوى القشرة الخارجية لعملية معقدة، تتماس فيها خطوط النار مع خطوط القانون.
إن الصحفي، بطبيعة دوره، يتحرك في مساحة ملأى بالتناقضات؛ هو مطالب بالركض وراء الخبر في زمن يتدفق بسرعة فائقة، ومطالب في الوقت ذاته بالتريث والتحقق، لكي يزن كلماته بميزان الصائغ وسط غبار الإشاعات والتضليل.
هي موازنة شبه مستحيلة بين "سرعة النشر" و"أمانة المحتوى". وإذا كان الصحفي في غمار الحروب والكوارث يضع حياته على كفه، فإن الصحفي في غرف الأخبار وبين دفتي الوثائق يضع حريته ومستقبله المهني على المحك، حيث تتربص به الضغوط السياسية والمساءلات القانونية التي تحركها مؤسسات أو أفراد، فضلاً عن وطأة الضمير الأخلاقي والإنهاك النفسي في مهنة لا تعرف للنوم ساعات، ولا تعترف بالعطلات الإضافية.
هنا، وفي هذا المناخ العاصف، تصبح القوانين بمثابة خريطة الطريق التي تحمي الصحفي من السقوط في دائرة التجريم. ومن أبرز التحديات التي تواجه العمل اليومي: معضلة "التسجيل الصوتي" للمقابلات والمحادثات.
وفي الأصل المقرَّر دستورياً وقانونياً، لا يملك الصحفي حق تسجيل أي مقابلة إلا بإذن واعٍ وموافقة صريحة من الطرف الآخر. فقد أحاط الدستور الأردني في مادته الثامنة عشرة المراسلات والاتصالات بسياج متين من السرية، وهو ما عززته تشريعات الجرائم الإلكترونية والعقوبات وحماية البيانات الشخصية.
لكن الواقع العملي يضع الصحفي أحياناً أمام مأزق أخلاقي ومهني؛ حيث يضطر في مواجهة "المسؤول" إلى تسجيل المكالمة الهاتفية، لا لشيء إلا تحصنا بالدليل، وخوفا من انقلاب الموقف، أو تراجع المسؤول عما أدلى به، أو الادعاء بأن كلامه قد اجتُزئ من سياقه. وهنا يصطدم الصحفي بنص المادة 71 من قانون الاتصالات، التي تصم الفعل بعبارات حاسمة:
"كل من نشر أو أشاع مضمون أي إتصال بواسطة شبكة إتصالات عامة او خاصة أو رسالة هاتفية اطلع عليها بحكم وظيفته أو قام بتسجيلها دون سند قانوني يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (100) دينار ولا تزيد على (300) دينار أو بكلتا العقوبتين".
هنا يثور السؤال الجوهري، والذي يلامس فلسفة القانون والعدالة: هل يجوز تسجيل المكالمة إذا كانت هي ذاتها وعاءً لجرم وقع على المتلقي، كالسب، أو الذم، أو الابتزاز، أو التهديد؟
إن القانون الذي أقام حرمة للحياة الخاصة وسرية المحادثات، لم يقصد أبداً أن تتحول هذه الحرمة إلى "درع يحمي المعتدي"، أو أن يظل المجني عليه أعزل، عاجزًا عن إقامة البرهان على ما وقع عليه من عدوان. حين تتحول وسيلة الاتصال إلى أداة اعتداء، فإن التسجيل هنا ينقلب من محاولة لانتهاك السر إلى "وسيلة دفاع مشروعة"، تصون الحق وتدفع الظلم، وتتحول المكالمة في يد الضحية إلى وثيقة إدانة للمعتدي.
لقد تصدى القضاء الأردني لهذه المعضلة بقراءة واعية وعميقة، أسست لتمايز دقيق بين انتهاك الخصوصية وبين ممارسة حق الدفاع. وحين قارب القضاء نص المادة 348 مكرر من قانون العقوبات، فكك أركان الجريمة بوعي قانوني رفيع:
• الركن المادي: ويتمثل في السلوك الذي يتجاوز خصوصية المجني عليه دون رضاه (كاستراق السمع، أو البصر، أو التسجيل الصوتي أثناء ممارسته لحياته اليومية).
• محل الجريمة: وهو "الحق في الحياة الخاصة"، ذلك الحيز المكانى أو الافتراضي الذي يعد مستودع أسرار صاحبه، والذي لا يبيح لأحد الاطلاع عليه.
• الركن المعنوي: القصد الجنائي القائم على إرادة خرق هذه الحرمة مع العلم بانتفاء الرضا.
عند تطبيق هذه الفلسفة القضائية على حالة قيام أحد أطراف المكالمة بتسجيلها، استقر الاجتهاد القضائي على أن هذا الفعل لا يشكل خرقا للحياة الخاصة.
والعلة في ذلك واضحة وبسيطة: إن المكالمة الهاتفية المتبادلة بين طرفين تخرج بطبيعتها عن حيز "الأسرار المستقلة" التي يستأثر بها طرف دون الآخر. فالشخص الذي يسجل مكالمة هو طرف أصيل فيها، ولم يسترق السمع على غيب، ولم يقتحم حيزًا مكانيًا مغلقًا، بل هو شريك في الحديث. وبناءً عليه، فإن فحوى المكالمة المتبادلة يفقد صفة السرية المطلقة تجاه الطرف الآخر، مما ينفي عن فعل التسجيل من قبل أحد أطرافها وصف الجريمة المعاقب عليها بموجب المادة 348 مكرر.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 20:45