عن صادرات الذهب الابيض المصري

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 16:12
مدار الساعة -لم يكن تسجيل صادرات القطن المصري 184.4 مليون دولار خلال 10 أشهر، مجرد رقم في ميزان التجارة العربية خلال الأيام الماضية، بل إعادة سرد لقصة "الذهب الأبيض" الذي أصبح مرادفاً عالمياً للفخامة، لدرجة أن البعض يصفه بـ"أشهر علامة تجارية أنتجتها مصر على الإطلاق".

يدفع المستهلكون في أكثر من 100 دولة سعراً باهظاً بمجرد رؤية عبارة "قطن مصري 100%" على أي مُنتج.

رغم امتلاك مصر أجود أنواع القطن في العالم، فإنها لم تستفد لسنوات من القيمة الاقتصادية الكاملة لهذا المورد، إذ ظلت تصدر المادة الخام بينما تُحقق العلامات التجارية العالمية معظم الأرباح من تصنيعها وبيعها، حتى داخل السوق المصري نفسه.

ولا يحتاج الأمر لإثبات صعب. فقط بالدخول إلى أي متجر للملابس الفاخرة في نيويورك أو لندن أو باريس، تظهر عبارة "قطن مصري 100%" على الملصقات، وأيضاً على ملاءات الفنادق الخمس نجوم، وحتى على المناشف التي تُباع بعشرة أضعاف سعر القطن العادي.

يدفع المستهلكون في أكثر من 100 دولة سعراً باهظاً بمجرد رؤية هذه العبارة. فمنذ اكتشاف القطن طويل التيلة قبل أكثر من 200 عام، شقّ طريقه بثبات إلى جميع أركان صناعة الأقمشة الراقية، لأن أليافه تكون أطول وأدق وأقوى من أي قطن في بلد آخر. كما تتحمل الغسيل لسنوات طويلة بفضل كثافة خيوطها التي تصل إلى 1000 خيط في النسيج الفاخر.

دلالات اقتصادية

في حديثها لـ"24"، تؤكد حنان رمسيس، خبيرة الاقتصاد وأسواق المال، أن ارتفاع الصادرات خلال الموسم الحالي يعكس وجود طلب قوي على القطن المصري، إضافة إلى تحسن واضح في الإنتاج وعودة تدريجية للمنافسة في الأسواق العالمية.

وتضيف أن القطن المصري لا يزال يتمتع بسمعة عالمية بفضل جودته المرتفعة، ما يساعد على استعادة جزء من مكانته في الأسواق الخارجية، إلى جانب توجه الدولة نحو تعظيم القيمة المضافة من خلال تصنيع القطن محلياً وتصدير الملابس والمنتجات القطنية بدلًا من الاكتفاء بتصدير الخام.

وتشدد "رمسيس" على أن الجودة ما زالت تمثل الميزة الأساسية للقطن المصري، لكنها لم تعد كافية وحدها للحفاظ على ريادته، إذ أصبحت المنافسة تعتمد أيضاً على توفير مستلزمات الإنتاج للمزارعين، وضمان أسعار توريد مجزية، وتطوير الصناعة المحلية، فضلًا عن كفاءة سلاسل الإمداد واستقرار حركة الشحن.

كما تشير خبيرة الاقتصاد إلى أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف التأمين على الحاويات أثّرا سلباً على الصادرات خلال الفترة الماضية، إلا أن استقرار الأوضاع في المنطقة من شأنه أن يدعم زيادة حصة تصدير القطن المصري مرة أخرى.

البداية التاريخية للقطن المصري

زرع المصريون القدماء القطن واستخدموه في صناعة المنسوجات منذ آلاف السنين، لكن جودته آنذاك لا تضاهي جودة القطن المصري الحديث. ولاحقاً انتقلت زراعته وصناعته إلى جنوب أوروبا مع التجار العرب؛ لذلك فكلمة "cotton" مشتقة في الأصل من الكلمة العربية "قطن".

اللافت أن القطن المصري لم يصبح سلعة فاخرة كما عليه اليوم إلا في القرن التاسع عشر؛ إذ يُقال إن مهندس النسيج الفرنسي لويس ألكسيس جوميل اكتشف القطن طويل التيلة بالصدفة عام 1818 في حديقة بالقاهرة. وحينها غامر وأجرى بعض التجارب، ليتمكّن في النهاية من إنتاج هذا النوع الجديد بخيوط ناعمة طويلة وقوية وأكثر متانة وامتصاصاً.

وبعرض النتائج على حاكم مصر آنذاك، محمد علي باشا، انبهر بالأمر، وأدرك أن زراعة هذا النوع تحديداً من شأنها أن تُحدث ثورة شاملة في مصادر دخل البلاد.

ريادة واستحواذ عالمي

وبعد نحو 40 عاماً من الإنتاج، وتحديداً في عام 1861، شكّلت الحرب الأهلية الأمريكية منعطفاً مهماً في تاريخ القطن المصري؛ إذ أدى الحصار المفروض على الموانئ الجنوبية إلى عزل مزارع القطن الأمريكية عن العالم الخارجي، فارتفعت الأسعار العالمية لأكثر من 150%.

حينها استغلت مصر هذه الفرصة التاريخية لتلبية الطلب العالمي، فتضاعف إنتاجها وتدفقت الأموال على خزينتها. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر كانت تجني نحو 93% من عائداتها من القطن.

كما تأسست بورصة القطن بالإسكندرية عام 1899 كأقدم بورصة في الشرق الأوسط وثالث أقدم بورصة عالمياً. وتغيرت أنماط الحياة وارتفعت أسعار الأراضي، ونشأت صناعات مرتبطة بهذا المحصول الواعد الذى تسيّد قوائم الصادرات.

ومع التحول نحو الفكر الاشتراكي بعد ثورة يوليو (تموز) 1952، بلغ القطن ذروة أهميته محتلاً نحو 21% من المساحة الزراعية، وممثلاً 40% من قوة الاقتصاد المصري و70% من إجمالي الصادرات، لتكون المصانع المحلية كقلعة الغزل والنسيج بالمحلة التي أسسها طلعت حرب في 1927 هي المستهلك الأساسي للمحصول.

تراجع الصناعة

هذا الازدهار التاريخي واجه تراجعاً تدريجياً نتيجة الزيادة السكانية وتراكم الديون الخارجية، حتى هبطت الحصة السوقية لمصر من القطن عالمياً إلى 1% فقط بحلول 1999. وانكمشت المساحات المزروعة بنسبة 54% بين عامي 2000 و2021 نتيجة مشكلات الأسمدة والبذور وأزمات التسويق.

ورغم امتلاك مصر أجود أنواع القطن في العالم، فإنها لم تستفد لسنوات من القيمة الاقتصادية الكاملة لهذا المورد، إذ ظلت تصدر المادة الخام بينما تُحقق العلامات التجارية العالمية معظم الأرباح من تصنيعها وبيعها، حتى داخل السوق المصري نفسه.

غير أن السنوات الأخيرة، شهدت مؤشرات على تغير هذا الواقع، بعدما تخطت صادرات الملابس الجاهزة 3 مليارات دولار لأول مرة في 2025 بنمو 22%، بالتزامن مع زراعة أصناف مُحسّنة من بذور القطن، وتنفيذ خطة لتطوير وتحديث مصانع الغزل والنسيج، وظهور نماذج ناجحة لشركات مصرية تبني سلاسل إنتاج متكاملة من الحقل إلى المنتج النهائي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/11 الساعة 16:12