سمرقند.. حين تتحدث مدينة عمرها ألف عام بلغة القرن الحادي والعشرين (صور)

مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/10 الساعة 11:45
مدار الساعة - كتب وليد الهباهبة - في زاوية من آسيا الوسطى، حيث كانت قوافل الحرير تعبر يوماً محمّلة بالبضائع والأفكار، تقف مدينة سمرقند اليوم شاهدة على تجربة نادرة: مدينة استطاعت أن تحوّل ذاكرتها الإسلامية العريقة إلى مشروع اقتصادي حي، دون أن تفرّط بحجر واحد من ماضيها.

فمنذ قرون، لم تكن سمرقند مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت محطة عبور للحضارات، ومركزاً يلتقي فيه التجار والعلماء والفنانون القادمون من أقاصي الأرض. واليوم، وبعد أن أنهكتها القرون وأعادت تشكيلها الإمبراطوريات المتعاقبة، تكتب المدينة فصلاً جديداً من سيرتها، فصلاً تتقاطع فيه سياحة الأمس بروحها الروحانية مع سياحة الغد بكل ما تحمله من فنادق فارهة ومراكز مؤتمرات ومنتجعات حديثة.

لم يكن دخول الإسلام إلى سمرقند عام 712م، على يد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي، مجرد حدث عسكري عابر، بل كان بداية تحول جذري صنع من المدينة إحدى أهم حواضر العلم والحضارة في بلاد ما وراء النهر. ومنذ تلك اللحظة، بدأت سمرقند تنسج علاقة خاصة مع الإسلام، علاقة تعمّقت أكثر حين اتخذها القائد تيمور عاصمة لإمبراطوريته الواسعة، فحوّلها إلى مدينة تليق بمجد إمبراطورية عابرة للقارات.

وما زالت آثار تلك الحقبة الذهبية ماثلة حتى اليوم في كل زاوية من المدينة: ميدان ريغستان الذي تتوّجه ثلاث مدارس تاريخية متجاورة تروي قصة العلم والعمارة معاً، ومسجد بيبي خانم الذي يحمل اسم إحدى زوجات تيمور، وضريح الأمير تيمور الذي ما زال يستقبل الزائرين بهيبته المعمارية، ومجمع شاه زنده بقبابه الزرقاء التي تخطف الأبصار. هذه المعالم ليست مجرد أطلال تُزار، بل مواقع حيّة تستقطب سنوياً آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم، يأتون بحثاً عن قصة حضارة لم تنطفئ رغم مرور القرون.

لكن سمرقند لم ترضَ بأن تبقى مدينة متحفية تُزار للتأمل فقط، بل قررت أن تجعل من هذا الإرث محركاً اقتصادياً فعلياً. ففي عام 2022، أطلقت الحكومة الأوزبكية مشروعاً طموحاً شرق المدينة: مجمع "طريق الحرير السياحي"، الممتد على مساحة تقارب 280 هكتاراً، وهو رقم يعكس حجم الطموح الأوزبكي في تحويل التراث إلى صناعة سياحية متكاملة.

هذا المجمع لم يُبنَ ليكون مجرد فندق أو منتجع، بل ليكون منظومة متكاملة تضم فنادق عالمية تستقبل ضيوف السياحة الثقافية وسياحة الأعمال معاً، ومركزاً للمؤتمرات الدولية يستقطب فعاليات تتجاوز حدود المنطقة، ومنتجعات صحية ومرافق ترفيهية تمنح الزائر تجربة إقامة كاملة، لا مجرد جولة سريعة بين الأضرحة والمساجد.

وفي قلب هذا المجمع، تنبض "المدينة الخالدة" بحياة مختلفة تماماً عن أي حديقة تاريخية تقليدية. فهي ليست مجرد نماذج معمارية صامتة، بل فضاء حيّ أعاد بناء معالم اندثرت بفعل الزمن، ومنح الزائر فرصة أن يعيش التاريخ بدل أن يقرأه فقط.

فهنا، يعمل أكثر من مئة حرفي أوزبكي في ورش مفتوحة أمام الزوار، يصنعون الفخار بأيديهم كما فعل أجدادهم قبل قرون، وينسجون الأقمشة، وينقشون الزخارف، ويصوغون المجوهرات بدقة متناهية. إنها تجربة تتجاوز السياحة التقليدية إلى ما يشبه رحلة زمنية، يشعر فيها الزائر أنه لا يشاهد التاريخ من خلف زجاج متحف، بل يلمسه ويتنفسه في الشارع نفسه.

وبين أزقة سمرقند القديمة وأبراج مشاريعها الحديثة، تبرز قصة تستحق أن تُروى: كيف يمكن لمدينة أن تصون هويتها التاريخية وتحوّلها في الوقت ذاته إلى رافعة اقتصادية حقيقية؟ الإجابة، كما تقدمها سمرقند اليوم، تكمن في عدم النظر إلى التراث كعبء يجب الحفاظ عليه بصمت، بل كثروة يمكن استثمارها بذكاء، دون أن تفقد روحها أو أصالتها.

وهكذا، تواصل سمرقند أداء دورها التاريخي كجسر تلتقي عليه الحضارات، لكنها اليوم لا تكتفي بأن تكون معبراً للقوافل كما كانت في الماضي، بل تسعى لأن تكون وجهة يقصدها العالم بنفسه، ليكتشف كيف يمكن لتراث إسلامي عمره أكثر من ألف عام أن يتحدث بلغة القرن الحادي والعشرين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/10 الساعة 11:45