'من ذاكرة القلم'.. حين تصبح المقالة وثيقةً للذاكرة الوطنية

د. أمل نصير
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/08 الساعة 21:18
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه المواقف، تبرز أهمية الكتب التي لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تسعى إلى قراءتها وتحليلها، وربطها بسياقاتها التاريخية والسياسية. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «من ذاكرة القلم» للمهندس سمير حباشنة؛ ليقدم للقارئ أكثر من مجرد مجموعة مقالات؛ فهو شهادة فكرية ووطنية، وقراءة في محطات مفصلية من تاريخ الأردن، والمنطقة العربية، يكتبها صاحب تجربة طويلة في العمل العام والسياسي، مؤمنًا بأن للكلمة دورًا لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى في الدفاع عن الوطن وقضاياه.

يضم الكتاب عددًا من المقالات التي كتبها المؤلف في مناسبات مختلفة، لكنها لا تبدو نصوصًا متفرقة، بل يجمعها خيط فكري واضح، يتمثل في الإيمان بالدولة الوطنية، والحرص على الهوية العربية، والدفاع عن القضية الفلسطينية، بوصفها القضية المركزية في الضمير العربي. ومن هنا، يشعر القارئ أن الكتاب يقدم رؤية متكاملة أكثر مما يقدم مقالات مستقلة، إذ تتكرر فيه الأفكار الكبرى بوصفها مرتكزات فكرية لا مجرد مواقف عابرة.

يكشف الكتاب عن شخصية الكاتب الذي لا يراقب الأحداث من بعيد، بل يتفاعل معها، ويعيد قراءتها من واقع تجربة امتدت سنوات طويلة في مواقع المسؤولية والعمل الوطني؛ لذلك تأتي المقالات محملة بخبرة سياسية ومعرفة دقيقة بطبيعة التحولات التي شهدها الأردن، والعالم العربي، وهو ما يمنحها بعدًا توثيقيًا إلى جانب بعدها الفكري.

ويلاحظ القارئ أن القضية الفلسطينية تحضر بقوة في معظم صفحات الكتاب، ليس باعتبارها حدثًا سياسيًا متغيرًا، وإنما بوصفها ثابتًا أخلاقيًا وقوميًا. ويؤكد المؤلف، في أكثر من موضع، ان الدفاع عن فلسطين جزء من الدفاع عن الهوية العربية، وأن استقرار الأردن وقوته يرتبطان بوعيه العميق بموقعه، ودوره التاريخي في محيطه العربي.

ولا يقتصر الكتاب على القضايا القومية، بل يفتح مساحة واسعة للشأن الأردني، فيناقش قضايا الإصلاح، والإدارة العامة، والتنمية، والمسؤولية الوطنية، بلغة تتسم بالوضوح والصراحة. ويبتعد الكاتب عن المجاملة أو الغموض، مفضلًا المكاشفة والمصارحة، انطلاقًا من قناعته بأن النقد المسؤول يمثل أحد أهم أدوات البناء والإصلاح.

ومن أبرز ما يميز الكتاب أسلوبه اللغوي؛ فهو يعتمد لغة عربية سليمة، واضحة، بعيدة عن التعقيد، تجمع بين رصانة الفكر وسلاسة التعبير. فلا يلجأ المؤلف إلى المصطلحات النظرية الثقيلة، ولا يثقل النصوص بالاستشهادات، وإنما يقدم أفكاره في صياغة مباشرة تجعل الكتاب قريبًا من مختلف شرائح القراء، دون أن يفقد عمقه الفكري.

كما تتسم المقالات بنَفَسٍ حجاجي واضح؛ إذ يبدأ الكاتب عادة بعرض القضية، ثم ينتقل إلى تحليل أسبابها ونتائجها، قبل أن يخلص إلى موقف أو رؤية، وهو ما يمنح النصوص تسلسلًا منطقيًا وقدرة على الإقناع. ويساعد في ذلك توظيف الأسئلة الاستنكارية، والمقارنات التاريخية، والاستدعاء المستمر للذاكرة الوطنية، بوصفها مرجعًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن رسالته الإنسانية. فقد خصص المؤلف ريع الكتاب لدعم مرضى السرطان، في مبادرة تعكس إيمانه بأن الثقافة ليست نشاطًا ذهنيًا مجردًا، وإنما مسؤولية اجتماعية أيضًا. وهكذا يتحول الكتاب من مشروع فكري إلى مشروع إنساني، تتكامل فيه قيمة الكلمة مع قيمة العطاء.

ومع ما يحمله الكتاب من قيمة فكرية ووطنية، فإن طبيعة المقالات التي كُتبت في أزمنة مختلفة تجعل بعض الأفكار تتكرر، وهو أمر مألوف في هذا النوع من المؤلفات، ولا ينتقص من قيمتها، بل يعكس ثبات رؤية الكاتب وإصراره على الدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها.

إن «من ذاكرة القلم» ليس كتابًا يبحث عن الإثارة أو يلاحق الحدث اليومي، بل هو محاولة جادة لتثبيت الذاكرة الوطنية في مواجهة النسيان، ولإعادة الاعتبار إلى الكلمة بوصفها أداةً للفهم والحوار والإصلاح. ومن هنا، تبرز أهمية هذا العمل بوصفه إضافة إلى المكتبة الأردنية، ووثيقة فكرية تسجل مواقف صاحبها من قضايا الوطن والأمة، وتفتح المجال أمام القارئ للتأمل في الماضي والحاضر، بعيدًا عن الانفعال الآني.

وفي المحصلة، ينجح المهندس سمير الحباشنة في تقديم كتاب يجمع بين الخبرة السياسية، والالتزام الوطني، والبعد الإنساني، مؤكدًا أن القلم يبقى، مهما تبدلت الظروف، شاهدًا على العصر، وحارسًا للذاكرة، ووسيلة للدفاع عن المبادئ التي لا تتغير بتغير الأزمنة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/08 الساعة 21:18