التحدي ليس في التعديل الوزاري.. بل في الاكتفاء به

المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/08 الساعة 13:35
كلما اقترب الحديث عن تعديل وزاري في الأردن، ينشغل الناس بالسؤال المعتاد: من سيغادر؟ ومن سيأتي؟ ومن سيحمل هذه الحقيبة أو تلك؟ لكن هذا السؤال، رغم أهميته السياسية، لم يعد كافياً لفهم عمق المرحلة ولا حجم التحدي الذي تقف أمامه الدولة.

فالمشكلة اليوم ليست في تغيير الأسماء فقط، بل في أن يظن البعض أن تغيير الأسماء وحده قادر على تغيير النتائج.

وهنا تكمن الخطورة.

الأردن لا يقف أمام مرحلة عادية. نحن أمام لحظة سياسية واقتصادية وإدارية حساسة، تتقاطع فيها ملفات كبرى: التحديث الاقتصادي، الإصلاح الإداري، التحول السياسي، جذب الاستثمار، المنافسة الإقليمية، البطالة، الثقة العامة، وسرعة القرار. وهذه الملفات لا تُدار بعقلية التسكين، ولا تُحل بمنطق تبديل المقاعد، ولا تنتظر حكومات تعمل بإيقاع أبطأ من إيقاع المرحلة.

التعديل الوزاري قد يكون ضرورياً أحياناً، لكنه يصبح خطيراً إذا تحول إلى بديل عن الإصلاح الحقيقي. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يخرج الرأي العام من كل تعديل بانطباع مؤقت أن شيئاً كبيراً قد حدث، بينما تبقى طريقة الإدارة كما هي، وتبقى الملفات الثقيلة تدور في المكان نفسه.

الحكومة لا تُختبر بمن دخل إليها، بل بما تغيّر بعدها.

والوزير لا يُقاس بلقبه، بل بقدرته على كسر الجمود داخل وزارته.

والمرحلة لا تحتاج إلى مسؤول يشرح المشكلة ببلاغة، بل إلى مسؤول يملك شجاعة حلها.

في تقديري، لم تعد الأزمة في قلة البرامج أو غياب العناوين الكبرى؛ فالدولة تمتلك رؤى وخططاً ومسارات تحديث واضحة. التحدي الأخطر يكمن في المسافة بين الوثيقة والواقع، بين القرار والتنفيذ، بين ما يُعلن على الورق وما يلمسه المواطن والمستثمر في التجربة اليومية. هذه المسافة، إن طالت، تتحول من خلل إداري إلى أزمة ثقة، ومن بطء إجرائي إلى كلفة سياسية واقتصادية تدفعها الدولة من رصيدها العام.

المشكلة الأعمق أن القرار الحكومي في كثير من الملفات لم يعد يُقاس فقط بصحته، بل بتوقيته أيضاً. فالقرار الصحيح إذا جاء متأخراً قد يفقد نصف قيمته، وقد يتحول أحياناً إلى قرار بلا أثر. في الاقتصاد، التوقيت جزء من القرار. وفي الاستثمار، السرعة جزء من الثقة. وفي الإدارة العامة، الحسم جزء من الهيبة. لذلك لم يعد مقبولاً أن تبقى بعض الملفات تتحرك ببطء بينما تتحرك المنطقة من حولنا بسرعة مختلفة تماماً.

في الأردن كفاءات كثيرة، داخل الدولة وخارجها. ولذلك فإن المشكلة ليست في غياب العقول، بل في قدرة النظام الإداري على تحويل هذه العقول إلى أثر. فالبلد لا يخسر فقط عندما يغيب القرار، بل يخسر أيضاً عندما يأتي القرار متأخراً، أو ضعيفاً، أو محاطاً بالخوف من المسؤولية.

في عالم اليوم، القرار المتأخر قد يكون هزيمة كاملة.

المستثمر لا ينتظر.

والفرصة لا تنتظر.

والشاب العاطل عن العمل لا ينتظر.

والاقتصاد لا ينتظر.

والدولة التي تريد أن تنافس لا تستطيع أن تتحرك بسرعة المراسلات الورقية بينما المنطقة من حولها تتحرك بسرعة الصفقات الكبرى والتحالفات الاقتصادية والتحول الرقمي.

لهذا، فإن أي تعديل وزاري قادم، إن حدث، يجب أن يُقرأ باعتباره اختباراً لا احتفالاً. اختباراً لقدرة الدولة على ضخ عقلية جديدة في الإدارة العامة، لا مجرد ضخ أسماء جديدة في الحكومة.

نحتاج إلى وزراء يعرفون أن المنصب ليس وجاهة، بل مسؤولية ثقيلة. نحتاج إلى من يدخل الوزارة وفي ذهنه سؤال واحد: ماذا سأغير خلال ستة أشهر؟ لا ماذا سأقول في أول مقابلة تلفزيونية؟

نحتاج إلى مسؤولين لا يخافون من اتخاذ القرار، ولا يختبئون خلف اللجان، ولا يحوّلون كل ملف إلى دراسة جديدة، ولا يتركون المستثمر والمواطن والقطاع الخاص أسرى لدورة طويلة من الانتظار.

التحدي الحقيقي ليس في التعديل الوزاري، بل في ما بعده. هل ستتغير سرعة القرار؟ هل ستُحاسب الوزارات على النتائج؟ هل ستُقاس الإنجازات بأرقام واضحة؟ هل سيعرف المواطن ماذا أنجزت كل وزارة؟ هل سيعرف المستثمر من صاحب القرار؟ هل ستتوقف ثقافة ترحيل الملفات؟

إذا لم يحدث ذلك، فإن أي تعديل سيبقى حدثاً سياسياً عابراً، لا تحولاً وطنياً حقيقياً.

إن الأردن لا يحتاج إلى إدارة تخشى الأخطاء أكثر مما تخشى ضياع الفرص. فالخوف الزائد من القرار قد يكون أخطر من الخطأ نفسه. الخطأ يمكن تصحيحه، أما الفرصة التي تضيع فقد لا تعود.

والدولة القوية ليست التي لا تخطئ أبداً، بل التي تملك الشجاعة لتقرر، والقدرة لتراجع، والجرأة لتصحح، والوعي لتتعلم.

ما نحتاجه اليوم هو تعديل في منهج الحكومة قبل تعديل شكلها. تعديل في طريقة التفكير، في سرعة التنفيذ، في ثقافة المساءلة، في العلاقة مع القطاع الخاص، في فهم الاستثمار، وفي احترام الوقت كقيمة وطنية لا كتفصيل إداري.

فالوقت في الإدارة العامة لم يعد مجرد زمن. الوقت أصبح مالاً، وثقة، واستثماراً، وفرصة عمل، ومستقبل عائلة، ومكانة دولة.

من هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح ليس: من سيخرج من الحكومة؟ بل: هل ستخرج الحكومة من نمط الإدارة التقليدية؟

وليس: من سيدخل الحكومة؟ بل: هل سيدخل إلى القرار عقل جديد، أكثر جرأة، وأكثر سرعة، وأكثر إيماناً بأن الأردن لا يملك رفاهية الانتظار؟

التعديل الوزاري قد يغيّر المشهد السياسي لأيام، لكن تغيير طريقة صناعة القرار هو وحده ما يغيّر مسار الدولة لسنوات.

ولهذا أقولها بوضوح: التحدي ليس في التعديل الوزاري... بل في الاكتفاء به.

فالأردن لا يحتاج إلى تبديل أسماء فقط، بل إلى ثورة هادئة في مفهوم الإدارة العامة؛ ثورة لا ترفع الشعارات، بل ترفع مستوى الأداء؛ لا تبحث عن التصفيق، بل عن النتائج؛ لا تكتفي بتغيير الوجوه، بل تغيّر طريقة العمل.

أما إذا بقي القرار بطيئاً، والتنفيذ متردداً، والمساءلة غائبة، والتنسيق ضعيفاً، فإننا سنعود بعد أشهر إلى السؤال نفسه، والانتظار نفسه، وخيبة الأمل نفسها.

المرحلة لا ترحم.

والدول التي لا تطور أدواتها في الوقت المناسب، قد تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في قلة الفرص، بل في البطء في التقاطها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/08 الساعة 13:35