الراجحي تكتب: بين الواقع والشاشة.. أين نعيش أكثر؟

حسناء الراجحي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 15:10
لم يعد السؤال: كم ساعة نقضي أمام الشاشات؟

بل: كم ساعة نبقى حاضرين خارجها؟

فبين إشعارٍ يخطف انتباهنا، وصورةٍ نستعجل نشرها، ورسالةٍ نخشى أن يتأخر الرد عليها، تمضي أيامٌ كاملة ونحن ننظر إلى الحياة من وراء زجاجٍ مضيء. والمفارقة أن العالم لم يكن يومًا بهذا القدر من القرب، ومع ذلك لم يشعر كثيرون بهذا القدر من البعد عن اللحظة التي يعيشونها.

لقد جاءت التكنولوجيا لتختصر المسافات، وقد فعلت ذلك بإتقان. قرّبت الغائب، ويسّرت التعلم، وفتحت أبوابًا واسعة للعمل والتواصل. لكنها غيّرت، في المقابل، علاقتنا باللحظة نفسها؛ فلم نعد نعيش كثيرًا من الأشياء كما تقع، بل كما تبدو على الشاشة.

أصبح من المعتاد أن نرفع الهاتف قبل أن نرفع أعيننا. نوثق الغروب قبل أن نتأمله، ونصوّر المائدة قبل أن نجلس إليها، ونبحث عن الزاوية المثالية، بينما تمضي اللحظة الحقيقية في انتظار الصورة المثالية.

ولعل أكثر المفارقات هدوءًا وألمًا أن الوسائل التي صُممت لتقريب البشر، جعلت كثيرًا منهم يجلسون في المكان نفسه، بينما يعيش كل واحدٍ منهم في عالمٍ لا يراه الآخر. صار الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، أما الوصول إلى حديثٍ صادق لا تقاطعه الإشعارات، فأصبح أصعب مما كان.

ثم يبرز سؤال لا يقل أهمية: لماذا نشارك تفاصيل حياتنا؟ هل ننشرها لنحفظ الذكرى، أم لأننا ننتظر من الآخرين أن يمنحوها قيمةً بإعجاب أو تعليق؟ ومتى أصبح مرور اللحظة بصمت يشعرنا بأنها أقل أهمية؟

ومع اتساع دوائر المتابعة، يظهر تناقض آخر؛ فقد يزداد عدد من يعرفون أخبارنا، بينما يظل عدد من يعرفوننا حقًا قليلًا. فالمتابعة ليست معرفة، والقرب الرقمي ليس دائمًا قربًا إنسانيًا.

ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نجعل الشاشات متهمة في كل شيء. فهي لم تسرق حياتنا، بل منحتنا فرصًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة. المشكلة لا تبدأ حين نحمل الهاتف في أيدينا، بل حين يحمل هو انتباهنا، ويعيد ترتيب أولوياتنا دون أن نشعر.

فالخطر الحقيقي ليس أن ننظر طويلًا إلى الشاشة، بل أن تصبح هي العدسة الوحيدة التي ننظر بها إلى العالم. وعندها، لا يعود الواقع هو الأصل، بل ما يعرضه لنا.

وربما لن تُقاس حياتنا يومًا بعدد الصور التي احتفظنا بها، ولا بعدد الإعجابات التي جمعناها، بل بعدد اللحظات التي عشناها كاملة، دون أن ننشغل أثناءها بإثبات أننا عشناها.

ولهذا يعود السؤال الأول، لكن بإحساسٍ مختلف:

أين نعيش أكثر...

في الواقع الذي يصنع الذكريات...

أم في الشاشة التي تكتفي بحفظ صورها؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 15:10