العتوم يكتب: الدراية الإعلامية والمعلوماتية في الطب.. من المعلومة إلى صناعة المعتقد الإعلامي

أيهم العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 13:04
ما يواجه مهنة الطب اليوم لا يرتبط بنقص الخبرة بقدر ما يرتبط بتغير قواعد إنتاج الظهور والمعنى في الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المعلومة الصحية تُفهم بمعزل عن الوسيط الذي ينقلها، ولا عن البيئات الرقمية التي تعيد تشكيل حضورها وتأثيرها.

لم تعد فوضى المحتوى الطبي على المنصات الرقمية مجرد إشكالية نشر، بل أصبحت تعبيرا عن تحول أعمق في بنية الاتصال الصحي عالمياً، حيث باتت المعرفة الطبية جزءاً من بيئة تنافسية على الانتباه، تتداخل فيها المعلومة العلمية مع المحتوى التفاعلي والإعلانات المقنّعة والتجارب الفردية. في هذا السياق، لا تكفي دقة المعلومة لضمان أثرها فهمها.

تُظهر التجارب الدولية أن الصحة لم تعد تُدار فقط داخل المؤسسات الطبية، بل أيضاً داخل الفضاء الرقمي بوصفه مجالاً موازياً لتشكيل المعتقدات الصحية. وهنا تتقدم أهمية الدراية الإعلامية والمعلوماتية باعتبارها جزءاً من كفاءة الاتصال الصحي، لأنها تفسّر كيف تتحول المعلومة الطبية من معرفة علمية إلى تصوّر ذهني يوجّه السلوك والثقة والقرار.

غير أن المسألة لم تعد تتعلق بما يُنشر فقط، بل بكيف يُعاد تفسيره داخل سياقات مختلفة من التلقي والتفاعل. فالمحتوى الطبي، حتى عندما يكون دقيقاً، قد ينتج أثراً مختلفاً عن قصده الأصلي إذا قُدم خارج سياقه أو داخل إطار بصري وتفاعلي عالي الجاذبية. وهنا تتشكل فجوة دقيقة بين “المعرفة الطبية كما تُنتج” و“المعرفة كما تُفهم”، وهي فجوة أصبحت مركزية في تشكيل الصورة الذهنية للطب والمؤسسات الصحية.

وفي هذا المستوى، يتجاوز التحدي كونه إعلامياً بالمعنى التقليدي، ليصبح مرتبطاً بكيفية تشكل المعتقد الإعلامي حول الطب نفسه، وكيف تتحول التفسيرات المتراكمة إلى مواقف وثقة أو عزوف عن العلاج، أو حتى إعادة تعريف غير دقيق للكفاءة الطبية خارج سياقها العلمي.

وتشير هذه التحولات إلى أن الاتصال الصحي لم يعد وظيفة مساندة للممارسة الطبية، بل جزءاً من بيئة القرار الصحي نفسها، حيث تتشكل الانطباعات الأولية قبل التفاعل المباشر مع الطبيب أو المؤسسة، وتُبنى الثقة أو تتآكل في الفضاء الرقمي قبل الوصول إلى العيادة.

ومن هنا، يصبح فهم الدراية الإعلامية والمعلوماتية ضرورة مهنية تتجاوز التوعية العامة، نحو إدراك أعمق لكيفية إدارة الصورة الذهنية وإعادة ضبط معنى الرسالة الطبية داخل بيئة تتسارع فيها إعادة إنتاج المحتوى وتفسيره.

وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الإشكالية في وفرة المحتوى الطبي بقدر ما تبدو في غياب إدارة واعية لمعناه وتأثيره، وهو ما يجعل الاتصال الصحي اليوم مساحة استراتيجية تتقاطع فيها المعرفة الطبية مع إدارة الإدراك والثقة والقرار.

وفي النهاية، لم يعد السؤال: ماذا نقول في المحتوى الطبي؟ بل كيف يُفهم هذا القول قبل أن يصل إلى المتلقي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/05 الساعة 13:04