إقالة الوزير لا تغلق الملف والشبهة لا تنتج أثراً.. قراءة دستورية في التوازن بين القرار السياسي وسيادة القانون

المحامي الدكتور محمد حسين المجالي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/04 الساعة 18:09
تُعد قضية إقالة وزير العمل على خلفية شبهات تتعلق بتضارب المصالح من المسائل التي تثير نقاشًا دستوريًا وقانونيًا يتجاوز حدود الواقعة ذاتها، ليمتد إلى بيان العلاقة بين السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية في إدارة شؤون الحكومة، وبين مبدأ المشروعية وسيادة القانون، بما يضمن عدم الخلط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية في إطار النظام الدستوري الأردني.

فعلى المستوى الدستوري، نصت المادة (35) من الدستور الأردني على أن الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله ويقبل استقالته، كما يعين الوزراء ويقيلهم ويقبل استقالاتهم بناءً على تنسيب رئيس الوزراء. ويؤكد هذا التنظيم الدستوري أن إقالة الوزير تُعد من قبيل القرارات السياسية والتنفيذية التي تندرج ضمن صلاحيات إدارة السلطة التنفيذية وإعادة تشكيل الفريق الوزاري، ولا تُعد في ذاتها جزاءً قانونيًا أو عقوبة جزائية، وإنما وسيلة لضمان كفاءة العمل الحكومي والمحافظة على الثقة العامة بالمؤسسات.

ويتعزز هذا الفهم من خلال المادة (45/1) من الدستور، التي أناطت بمجلس الوزراء مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، الأمر الذي يجعل من إعادة تشكيل الحكومة إحدى أدوات الإدارة السياسية التي تستجيب لمقتضيات المصلحة العامة، بعيدًا عن مفهوم الجزاء القضائي.

إلا أن السلطة التقديرية في هذا المجال لا تُمارس بمعزل عن مبدأ سيادة القانون، الذي كرسته المادة (6/1) من الدستور، والتي أكدت خضوع جميع الأشخاص لأحكام القانون والمساواة أمامه دون تمييز. ويترتب على ذلك أن الوزراء، باعتبارهم من شاغلي المناصب العامة، يخضعون لأحكام التشريعات المتعلقة بالنزاهة والشفافية والمساءلة متى تعلقت أفعالهم بمخالفات تمس الوظيفة العامة أو تؤدي إلى تحقيق منافع خاصة على حساب المصلحة العامة.

وفي هذا الإطار، نظم قانون هيئة النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة 2016 وتعديلاته الإطار القانوني لمكافحة الفساد، ومن بين صوره حالات تضارب المصالح التي قد تؤثر في حياد الموظف العام أو المسؤول أثناء ممارسته لمهامه. ويقوم التنظيم القانوني على مبدأ الإفصاح عن المصالح الخاصة، والامتناع عن المشاركة في أي قرار يحقق منفعة شخصية مباشرة أو غير مباشرة، بما يعزز مبادئ النزاهة والشفافية وحسن إدارة المال العام.

ويبرز في هذا السياق الدور المؤسسي لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد باعتبارها الجهة الوطنية المختصة بتلقي الشكاوى والإخبارات المتعلقة بجرائم الفساد، والتحقق من الوقائع وجمع المعلومات والبينات وإجراء التحقيقات الأولية ضمن الحدود التي رسمها القانون، قبل إحالة ما يثبت قيام شبهة فساد إلى النيابة العامة المختصة لاتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة. كما تضطلع الهيئة بدور وقائي يتمثل في نشر ثقافة النزاهة، وتعزيز معايير الحوكمة الرشيدة، واقتراح التشريعات والسياسات الكفيلة بالحد من تضارب المصالح ومنع استغلال الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، بما يجعل دورها لا يقتصر على الملاحقة اللاحقة، وإنما يمتد إلى الوقاية ومنع وقوع الفساد ابتداءً.

وتبرز الإشكالية الدستورية بصورة أوضح عند بحث المسار القانوني لمساءلة الوزراء عن الأفعال المرتبطة بوظائفهم في ضوء المادة (56) من الدستور. فقد ذهب اتجاه فقهي إلى أن تحريك الدعوى الجزائية بحق الوزير يتطلب إحالة من مجلس النواب، باعتبار أن النص يمنح المجلس دورًا في مباشرة المساءلة الجزائية للوزراء.

غير أن هذا الاتجاه، في تقديرنا، لا ينسجم مع التطور الدستوري والتشريعي الذي شهده النظام القانوني الأردني، ولا مع الولاية العامة للنيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (9) لسنة 1961 وتعديلاته. فالأصل أن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى الجزائية، ولا يجوز تقييد هذا الاختصاص إلا بنص صريح لا يحتمل التوسع في تفسيره.

ومن ثم، فإن الإحالة الواردة في المادة (56) ينبغي تفسيرها باعتبارها تنظيمًا للعلاقة السياسية والرقابية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لا باعتبارها قيدًا على الاختصاص القضائي الأصيل للنيابة العامة أو على صلاحيات الجهات المختصة بمكافحة الفساد في جمع الاستدلالات وإحالة الملفات التي تتوافر فيها شبهة جرمية.

ويؤيد هذا الاتجاه ما شهده النظام الدستوري الأردني من إصلاحات بعد عام 2011، والتي ألغت المحاكم الخاصة بالوزراء وأخضعتهم لاختصاص القضاء النظامي، تكريسًا لمبدأ وحدة القضاء وخضوع جميع الأشخاص للقواعد الإجرائية والموضوعية ذاتها، بما يعزز مبدأ المساواة أمام القانون.

وعليه، فإن إقالة وزير العمل على خلفية شبهات تضارب المصالح تُعد قرارًا سياسيًا وإداريًا مشروعًا يستند إلى المادة (35) من الدستور، ويهدف إلى حماية الثقة بالمرفق العام والحفاظ على سلامة الأداء الحكومي، إلا أن هذا القرار لا يغني عن استكمال المسار القانوني الذي تتولاه هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، ومن بعدها النيابة العامة والقضاء المختص، كلٌ في حدود اختصاصه، لأن مجرد وجود شبهة لا يعني ثبوت المسؤولية، كما أن القرار السياسي لا يحل محل الحكم القضائي ولا يرتب بذاته إدانة قانونية.

وفي المحصلة، فإن التوازن الدستوري السليم يقتضي الفصل بين مستويين متكاملين للمساءلة؛ أولهما المسؤولية السياسية التي تبرر إنهاء التكليف الوزاري حفاظًا على المصلحة العامة والثقة بالمؤسسات، وثانيهما المسؤولية القانونية التي لا تثبت إلا من خلال الإجراءات التي تباشرها الجهات المختصة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد والنيابة العامة والقضاء النظامي، ضمانًا لاحترام قرينة البراءة وسيادة القانون، وتحقيقًا للتوازن بين مقتضيات الإدارة الرشيدة ومتطلبات العدالة الدستورية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/04 الساعة 18:09