عكاشة يكتب: تطوير قانون الجمعيات ضرورة ملحة

د. عمر عكاشة المقابلة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/02 الساعة 20:47
إن المتابع عن قرب لعمل العديد من الجمعيات والمؤسسات التطوعية والثقافية في الأردن، يلاخظ بأن هناك العديد من المشاكل التي تعاني منها إدارة هذة الهيئات والتي تتمثل بتعقيد الكثير من الإجراءت التي ما زالت تقليدية ولا تواكب العصر الحديث.؛

قبل أسابيع تحدثت مع أحد رؤساء الجمعيات في إحدى المحافظات، وكان يشكو من صعوبة عقد اجتماع للهيئة العامة بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني. بعض الأعضاء يعملون خارج المحافظة، وآخرون خارج المملكة، والبعض الآخر تعيقهم ظروف العمل والالتزامات الأسرية. وكانت النتيجة تأجيل الاجتماع مرة تلو المرة، وتعطيل قرارات كان من الممكن أن تعود بالنفع على؛؛؛ المجتمع المحلي خلال أيام لو توفرت آلية أكثر مرونة.

عندما سمعت كلام هذا الصديق استحضرني سؤال بسيط: إذا كانت البنوك تنجز معاملاتها إلكترونياً، والجامعات تعقد محاضراتها عن بعد، والمؤسسات الحكومية تقدم خدماتها رقمياً، فلماذا ما زالت الجمعيات مطالبة بالاعتماد على مفهوم الحضور التقليدي وكأننا ما زلنا نعيش في العقد الأول من هذا القرن؟

عند العودة إلى قانون الجمعيات نجد أنه قانون متقدم في كثير من جوانبه، وقد أسهم في تنظيم العمل الأهلي وإخضاعه لمعايير واضحة من الحوكمة والرقابة. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن القانون صدر في زمن كانت فيه الوسائل الرقمية محدودة جداً مقارنة بما هو متاح اليوم.

فالقانون يتحدث عن الاجتماعات ومكان انعقادها والتبليغات والإشعارات وحفظ السجلات، لكنه لا يمنح مساحة كافية للتعامل مع الواقع الرقمي الجديد. وبصراحة، لا أرى مبرراً لعدم الاعتراف بالحضور الإلكتروني كوسيلة قانونية مكتملة الأركان لغايات احتساب النصاب القانوني واتخاذ القرارات.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاجتماعات الافتراضية ليست بديلاً مؤقتاً، بل أصبحت جزءاً من الحياة المهنية والمؤسسية. بل إن بعض الاجتماعات الإلكترونية تكون أكثر انضباطاً وتوثيقاً من الاجتماعات التقليدية. فكل مداخلة يمكن تسجيلها، وكل تصويت يمكن توثيقه، وكل مشاركة يمكن إثباتها بضغطة زر.

ومن خلال قراءة مواد القانون، أعتقد أن المادة المتعلقة باجتماعات الهيئات العامة تحتاج إلى تعديل واضح وصريح يجيز عقد الاجتماعات بواسطة وسائل الاتصال المرئي والإلكتروني، ويعتبر المشاركين عبر هذه الوسائل حاضرين قانوناً. فالمقصود من النصاب هو ضمان المشاركة في اتخاذ القرار، وليس مجرد التواجد الجسدي في قاعة واحدة.

كما أن هناك حاجة لتطوير مفهوم التبليغ القانوني ذاته. فكيف يمكن في عام 2026 أن نبقى نتحدث عن البريد الورقي والنشر في الصحف كوسائل رئيسية للتبليغ، بينما أصبح الهاتف الذكي في يد كل مواطن تقريباً؟ أليس من الأجدى اعتماد البريد الإلكتروني والمنصات الرقمية المعتمدة والتطبيقات الحكومية كوسائل تبليغ قانونية؟

ومن وجهة نظري، فإن التطوير المطلوب لا يجب أن يقتصر على الاجتماعات فقط. نحن بحاجة إلى منصة؛؛ إلكترونية متكاملة للجمعيات الأردنية تتيح عقد الاجتماعات، وإجراء الانتخابات، وتقديم التقارير المالية والإدارية، ومتابعة المراسلات الرسمية، وحفظ الوثائق والأرشيف إلكترونياً.

و هذا التوجه لن يخفف العبء عن الجمعيات فحسب، بل سيعزز أيضاً قدرة الجهات الرقابية على المتابعة والتدقيق. فالرقمنة ليست نقيضاً للرقابة كما يعتقد البعض، بل هي إحدى أدواتها الحديثة.

إن الأردن يسير بخطى ثابتة نحو التحول الرقمي والتحديث الإداري، ومن الطبيعي أن يكون قطاع الجمعيات جزءاً من هذا المسار. وقد عملت وزارة التنمية الاجتماعية مشكورة بتأسيس منصة تكامل لتسهيل الكثير من؛ الأمور على الجمعيات التي هي ليست مجرد كيانات قانونية، بل شريك أساسي في التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وأي تطوير في بيئتها التشريعية سينعكس مباشرة على قدرتها في خدمة المجتمع.

من هنا أجد بأن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني حول تطوير قانون الجمعيات،بما يتماشى مع متغيرات العصر دون؛ تغيير فلسفته أو المساس بضوابطه الرقابية، وإنما إعادة النظر في بعض أحكامه بما ينسجم مع الواقع الذي نعيشه اليوم. حيث أن القانون الناجح ليس ذلك الذي يحافظ على النصوص كما هي، بل الذي يملك القدرة على مواكبة المجتمع عندما يتغير.

والسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم: إذا كنا نتحدث عن حكومة رقمية واقتصاد رقمي وخدمات رقمية، فلماذا لا نبدأ أيضاً بالحديث عن جمعية رقمية؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/07/02 الساعة 20:47