الفاعوري يكتب: حين تتلاقى الجغرافيا مع التاريخ.. التقارب العربي التركي

م. عبد الله الفاعوري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 12:50
عند العودة في التاريخ إلى عقودٍ من الزمن، كان القارئ يتخيل دومًا صورةً مشرقةً ناصعةً للتعاضد والتلاحم العربي العثماني في سبيل تشييد السيطرة وتسيير أمور المنطقة. فالمشاريع كبيرة، والصور الذهنية المشرفة كثيرة، فقطارٌ يجوب الأقطار العربية والإسلامية يعزف ضجيجًا من الشموخ، ويبث الأمل في الأرجاء، وكان هذا الضجيج يصمت احترامًا للنبي صلى الله عليه وسلم عند مروره بالمدينة المنورة من عند قبر النبي، في صورةٍ توضح ملامح الثقافة والفكر اللذين غدوا سببًا في التفوق العربي العثماني وتسييره للمنطقة، وتفنيد أي مخطط غربي يستهدف الشرق الأوسط آنذاك.

إن التاريخ زادٌ وعتادٌ وقوةٌ للأمم، يدعم هويتها وذاتها في صراع العروش، ويمنحها استقلاليتها الذاتية وحريتها المطلقة، ويفند أي مخططات تستهدف النيل منها. وكما يعلم الجميع، فإن الاصطدامات بين الصفائح الأرضية ينتج عنها تضاريس جديدة، وهذا ما نقيسه على السياسة، حيث إن الصراعات بين الدول الكبرى تُخلِّف تغييراتٍ كبيرةً على الواقع في بسط النفوذ والسلطة، وهذا ما نعاينه اليوم في الشرق الأوسط. فالصراع الأمريكي، والصهيوني، والإيراني يستهدف تغيير الشرق الأوسط، وتغيير ممرات القوة الاقتصادية والسياسية، وإن هذا الصراع يتأرجح اليوم بين الحرب والسلم والاتفاقيات التي تُرسم بتدخل الوسطاء.

وما يثير الغرابة أن أصحاب الأرض، الذين يتلمسون الآثار المترتبة على هذه الحرب سياسيًا واقتصاديًا وتجاريًا، وهم العرب، لا وجود لهم في رسم ملامح هذه الاتفاقيات، وهذا مدعاةٌ للتفكر قليلًا في كيفية الاستفادة من هذا المشهد. وإن هذه الاستفادة بدأنا نشاهد ملامحها من خلال التقارب العربي السعودي والمصري والأردني والسوري مع الأتراك. فالأتراك يمثلون نفوذًا واعدًا، ودولةً متقدمة، ولهم قواسم مشتركة عديدة معنا تاريخيًا وجغرافيًا وإسلاميًا، وفي العادات والتقاليد، وهذا يسهل الاندماج الفكري لينعكس على الواقع بمشاريع تعزز التقارب، وتستفيد من سمة كل قطر، لتجتمع هذه السمات في نهرٍ واحد يصب في مسارٍ جديد نرسمه بأيدينا بقوة، نفند به كل المطامع الغربية والإيرانية في أراضينا. فالقرب الجغرافي لدولنا يساعدنا على السيطرة على خطوط النقل العالمي، والموارد الطبيعية التي نملكها تساعدنا على اكتساح الأسواق العالمية والأوروبية، وقد بدأنا نعاين هذا التقارب بإعادة مشروع سكة الحديد إلى الأذهان، وإن هذا المشروع بدأ يترجم إلى واقع.

إن المطلوب اليوم هو تعزيز الهوية الثقافية والفكرية في العقول لتقبل هذا التقارب، بما يسرع من عملية تقبله على أرض الواقع، ويسهم في إظهار صفيحة جديدة ترسم الجغرافيا، وتكتب التاريخ، وتضع الحدود لما يسمى بمفهوم الشرق الأوسط الجديد. وسيبقى هذا المشروع حلمًا يراودني، ويسعدني مع كل تقدم يتحقق على أرض الواقع في هذا الجانب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 12:50