هل تدخلت أجهزة المخابرات في كأس العالم؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 11:54
مدار الساعة - بشارة الشمالي - من يرَ مشاكل إنكلترا قبل انطلاق كأس العالم 2026، من إطلاق النار قرب معسكرها وسرقة معداتها الرياضية، يعتقد أن الإنكليز في الولايات المتحدة منحوسون. لكن مشاكل "الأسود الثلاثة" مع الولايات المتحدة في مجال كرة القدم ليست بجديدة، إذ إن إحدى أغرب الروايات بين الدولتين في المجال الكروي، التي لا يمكن تصديقها، تعود إلى مونديال المكسيك سنة 1970.
كانت إنكلترا في كأس العالم 1970 المرشحة للفوز والاحتفاظ باللقب للمرة الثانية على التوالي، كذلك البرازيل مع بيليه مرشحة أيضاً.
كان الفوز بالكأس مهماً للبرازيل ليس من وجهة نظر رياضية فقط، بل لأسباب سياسية داخلية. وكانت البرازيل تخضع لحكم عسكري ديكتاتوري مدعوم من الولايات المتحدة لمواجهة المد الشيوعي في أميركا الجنوبية، وكان الحكم فيها بحاجة للفوز بلقب كأس العالم ليكسب المزيد من الشرعية الشعبية.
ويقول أستاذ التاريخ في جامعة بريستول ماثيو براون أن الحكومة العسكرية في البرازيل في حينه كانت تضم مجانين ومهووسين بكرة القدم.
قبل انطلاق البطولة تعرّض قائد المنتخب الانكليزي بوبي مور للتوقيف في مطار بوغوتا في كولومبيا بسبب سرقة أسوارة (بقي حتى وفاته ينفي تلك الحادثة). وفي الأرشيف البريطاني، وجد الصحافي على وثيقة تفيد بتدخل رئيس الوزراء البريطاني مع رئيس جمهورية كولومبيا من أجل إطلاق سراح اللاعب.
ألم في معدة حارس إنكلترا
حلّت إنكلترا ثانية في مجموعتها في الدور الأول، وفي ربع النهائي كانت مباراتها أمام منتخب ألمانيا المدجج بالنجوم كالحارس سيب ماير وباكنباور.
قبل المباراة بثلاثة أيام، في 11 حزيران/يونيو 1970، نزل حارس المرمى الإنكليزي غوردون بانكس مع رفاقه إلى بهو فندق الهيلتون في غوادالاخارا لاحتساء البيرة، وبعد لحظات عاد الحارس إلى غرفته وأمضى طوال الليل في المرحاض متألماً من معدته.
وصف طبيب الفريق نييل فيليبس ما جرى مع بانكس بالتسمم الغذائي ومنعه من لعب المباراة المقبلة أمام ألمانيا، وكتب في مذكراته أنه كان صارماً جداً بموضوع الأكل والشرب في المكسيك تخوفاً من أي عارض، لدرجة شحن المياه والأكل من بريطانيا.
وبالفعل في المباراة أمام ألمانيا غاب الحارس الإنكليزي الأساسي، ولعب مكانه بيتر بونيتي، وانتهت المباراة بالوقت الإضافي 3-2 لألمانيا.
تسمم فجأة في إنكلترا؟
إن ما جرى مع حارس المنتخب الإنكليزي في ربع النهائي اعتُبر تسمّماً غذائياً في حينه، وبقي الخبر كذلك حتى بعد وفاته في 2019، إلى أن فجّر الصحافي الإنكليزي غابرييل غايتهاوس في نهاية أيار/مايو 2026 الخبر بأن وكالة الاستخبارات المركزية قد تكون وراء تسميمه.
في التفاصيل، عمل الصحافي الاستقصائي غايتهاوس مع حفيد اللاعب إيد جارفيس طوال ثلاث سنوات على الموضوع، ويقول حفيد اللاعب إن جده كان يعتقد أن هناك شيئاً ما غريباً حصل في ذلك اليوم من دون أن يعلم ما هو، فيعتبر أنه من غير المنطقي أن يتسمم فجأة وأن يمرض وحده دون غيره من اللاعبين الذين شربوا معاً البيرة. فالكثير من المحللين والجماهير في حينه اعتقدت لو أنه لعب المباراة ضد ألمانيا لكان طبعاً الفوز سيكون لإنكلترا.
خلال العمل على الموضوع، سافرا إلى المكسيك والولايات المتحدة، التقيا العديد من لاعبي المنتخب في حينه، كذلك قابلوا عدداً من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية السابقين، وقرأوا مئات التقارير الاستخبارية الأميركية والبريطانية والمكسيكية عن تلك المرحلة.
عند تحليل المعطيات، الكثير من المؤشرات ترجّح فرضية التسميم:
1- بعد إخلاء سبيل قائد المنتخب في مطار بوغوتا، كان هناك حاجة لوسيلة ضغط أخرى على المنتخب الإنكليزي لإضعافه.
2- كانت المكسيك تشكل المحطة الأكبر لعمل الوكالة في القسم الغربي من العالم. لدرجة أن إحدى الوثائق تفيد بأن ثلاثة رؤساء مكسيكيين كانوا من المقربين جداً من الوكالة.
3- كانت الأحداث الرياضية العالمية كالألعاب الأولمبية وكأس العالم، أرضاً خصبة للعمل الاستخباراتي من أجل التجسس وجذب المزيد من العملاء.
4- المقابلات مع رؤساء الوكالة في حينه، بالإضافة للعديد من عملائها ولمسؤولي محطة المكسيك خلال الستينيات والسبعينيات كانت توحي أن عملاً مماثلاً كان وارداً.
5- من أقرب المصادر للخبر كان ستوارت سيمينغتون، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميسوري من 1956 إلى 1976 الذي كان أيضاً في لجنة القوات المسلحة التي تتلقى تقارير سرية من الوكالة المركزية. أحد أقاربه، بوب أوكسبي، كان صحافياً متخصصاً في كرة القدم، نقل عنه قوله: "طبعاً إنها الـCIA، هل حقاً تعتقد أننا سنسمح أن تفوز إنكلترا على البرازيل؟".
6- فرضت السلطات الصحية البريطانية حجراً صحياً شديداً لأسبوعين لحارس المرمى مع عائلته بعد عودته (احترازاً لأي تسمّم). يذكر ابنه الذي كان يبلغ 12 عاماً في حينه، استغرابه فكرة الحجر الصحي بسبب تسمّم غذائي.
7- في وسط السبعينيات، وعلى إثر فضيحة "ووتر غايت"، شكّل الكونغرس لجنة "الكنيسة" مهمتها التحقيق في أعمال أجهزة المخابرات. خلال الاستماع إلى ناثان غوردون، أحد البيولوجيين التابعين للوكالة، ذكر في شهادته أن الوكالة تملك "مواد تُستخدم إذا أردنا في الواقع، وضع شخص ما، في مساء معيّن، في مكان معيّن بحالة مرضية".
وفي ملحق لتقرير اللجنة وجد الصحافي لائحة بأسماء وكميات السموم المستخدمة بالإضافة إلى وظيفتها (كأنواع عدة من السالمونيلا، ومادة Staphylococcal enterotoxin)
8- خلال مقابلة أحد التقنيين الذي عمل لمدة 32 سنة في الوكالة، وبعدما أحرجه الصحافي بمعلومات النقطة السابعة، لم يعترف بعلمه بالعملية بل قال له: "الآن عليك أن تقوم بالمزيد من العمل/البحث".
في النهاية، وبعد عمل مضنٍ لثلاث سنوات، وصل الصحافي غايتهاوس إلى الدائرة الضيّقة التي يمكنه الحصول على الإثبات بأن وكالة المخابرات المركزية قامت فعلاً بتسميم حارس إنكلترا لترجيح دفة البرازيل، لكن الالتزام المهني لأعضاء الوكالة بعدم الإفصاح عن تلك المعلومة، حالَ دون ذلك.
لكن نتيجة البحث الذي قام به والترجيحات التي ذكرها تلعب دوراً أساسياً في تغليب نظرية صحة المعلومة. ومن هنا، بعد الانتهاء من بحثه ونشره في الصحف الإنكليزية، تعود هذه القصة لتذكرنا بقاعدة أساسية في العلاقات الدولية وهي أن الصداقات بين الدول تكون على مستوى الحكومات، وليس الأجهزة الأمنية، والأمثلة عن هذه النظرية بحاجة لمقالات عديدة.
كانت إنكلترا في كأس العالم 1970 المرشحة للفوز والاحتفاظ باللقب للمرة الثانية على التوالي، كذلك البرازيل مع بيليه مرشحة أيضاً.
كان الفوز بالكأس مهماً للبرازيل ليس من وجهة نظر رياضية فقط، بل لأسباب سياسية داخلية. وكانت البرازيل تخضع لحكم عسكري ديكتاتوري مدعوم من الولايات المتحدة لمواجهة المد الشيوعي في أميركا الجنوبية، وكان الحكم فيها بحاجة للفوز بلقب كأس العالم ليكسب المزيد من الشرعية الشعبية.
ويقول أستاذ التاريخ في جامعة بريستول ماثيو براون أن الحكومة العسكرية في البرازيل في حينه كانت تضم مجانين ومهووسين بكرة القدم.
قبل انطلاق البطولة تعرّض قائد المنتخب الانكليزي بوبي مور للتوقيف في مطار بوغوتا في كولومبيا بسبب سرقة أسوارة (بقي حتى وفاته ينفي تلك الحادثة). وفي الأرشيف البريطاني، وجد الصحافي على وثيقة تفيد بتدخل رئيس الوزراء البريطاني مع رئيس جمهورية كولومبيا من أجل إطلاق سراح اللاعب.
ألم في معدة حارس إنكلترا
حلّت إنكلترا ثانية في مجموعتها في الدور الأول، وفي ربع النهائي كانت مباراتها أمام منتخب ألمانيا المدجج بالنجوم كالحارس سيب ماير وباكنباور.
قبل المباراة بثلاثة أيام، في 11 حزيران/يونيو 1970، نزل حارس المرمى الإنكليزي غوردون بانكس مع رفاقه إلى بهو فندق الهيلتون في غوادالاخارا لاحتساء البيرة، وبعد لحظات عاد الحارس إلى غرفته وأمضى طوال الليل في المرحاض متألماً من معدته.
وصف طبيب الفريق نييل فيليبس ما جرى مع بانكس بالتسمم الغذائي ومنعه من لعب المباراة المقبلة أمام ألمانيا، وكتب في مذكراته أنه كان صارماً جداً بموضوع الأكل والشرب في المكسيك تخوفاً من أي عارض، لدرجة شحن المياه والأكل من بريطانيا.
وبالفعل في المباراة أمام ألمانيا غاب الحارس الإنكليزي الأساسي، ولعب مكانه بيتر بونيتي، وانتهت المباراة بالوقت الإضافي 3-2 لألمانيا.
تسمم فجأة في إنكلترا؟
إن ما جرى مع حارس المنتخب الإنكليزي في ربع النهائي اعتُبر تسمّماً غذائياً في حينه، وبقي الخبر كذلك حتى بعد وفاته في 2019، إلى أن فجّر الصحافي الإنكليزي غابرييل غايتهاوس في نهاية أيار/مايو 2026 الخبر بأن وكالة الاستخبارات المركزية قد تكون وراء تسميمه.
في التفاصيل، عمل الصحافي الاستقصائي غايتهاوس مع حفيد اللاعب إيد جارفيس طوال ثلاث سنوات على الموضوع، ويقول حفيد اللاعب إن جده كان يعتقد أن هناك شيئاً ما غريباً حصل في ذلك اليوم من دون أن يعلم ما هو، فيعتبر أنه من غير المنطقي أن يتسمم فجأة وأن يمرض وحده دون غيره من اللاعبين الذين شربوا معاً البيرة. فالكثير من المحللين والجماهير في حينه اعتقدت لو أنه لعب المباراة ضد ألمانيا لكان طبعاً الفوز سيكون لإنكلترا.
خلال العمل على الموضوع، سافرا إلى المكسيك والولايات المتحدة، التقيا العديد من لاعبي المنتخب في حينه، كذلك قابلوا عدداً من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية السابقين، وقرأوا مئات التقارير الاستخبارية الأميركية والبريطانية والمكسيكية عن تلك المرحلة.
عند تحليل المعطيات، الكثير من المؤشرات ترجّح فرضية التسميم:
1- بعد إخلاء سبيل قائد المنتخب في مطار بوغوتا، كان هناك حاجة لوسيلة ضغط أخرى على المنتخب الإنكليزي لإضعافه.
2- كانت المكسيك تشكل المحطة الأكبر لعمل الوكالة في القسم الغربي من العالم. لدرجة أن إحدى الوثائق تفيد بأن ثلاثة رؤساء مكسيكيين كانوا من المقربين جداً من الوكالة.
3- كانت الأحداث الرياضية العالمية كالألعاب الأولمبية وكأس العالم، أرضاً خصبة للعمل الاستخباراتي من أجل التجسس وجذب المزيد من العملاء.
4- المقابلات مع رؤساء الوكالة في حينه، بالإضافة للعديد من عملائها ولمسؤولي محطة المكسيك خلال الستينيات والسبعينيات كانت توحي أن عملاً مماثلاً كان وارداً.
5- من أقرب المصادر للخبر كان ستوارت سيمينغتون، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميسوري من 1956 إلى 1976 الذي كان أيضاً في لجنة القوات المسلحة التي تتلقى تقارير سرية من الوكالة المركزية. أحد أقاربه، بوب أوكسبي، كان صحافياً متخصصاً في كرة القدم، نقل عنه قوله: "طبعاً إنها الـCIA، هل حقاً تعتقد أننا سنسمح أن تفوز إنكلترا على البرازيل؟".
6- فرضت السلطات الصحية البريطانية حجراً صحياً شديداً لأسبوعين لحارس المرمى مع عائلته بعد عودته (احترازاً لأي تسمّم). يذكر ابنه الذي كان يبلغ 12 عاماً في حينه، استغرابه فكرة الحجر الصحي بسبب تسمّم غذائي.
7- في وسط السبعينيات، وعلى إثر فضيحة "ووتر غايت"، شكّل الكونغرس لجنة "الكنيسة" مهمتها التحقيق في أعمال أجهزة المخابرات. خلال الاستماع إلى ناثان غوردون، أحد البيولوجيين التابعين للوكالة، ذكر في شهادته أن الوكالة تملك "مواد تُستخدم إذا أردنا في الواقع، وضع شخص ما، في مساء معيّن، في مكان معيّن بحالة مرضية".
وفي ملحق لتقرير اللجنة وجد الصحافي لائحة بأسماء وكميات السموم المستخدمة بالإضافة إلى وظيفتها (كأنواع عدة من السالمونيلا، ومادة Staphylococcal enterotoxin)
8- خلال مقابلة أحد التقنيين الذي عمل لمدة 32 سنة في الوكالة، وبعدما أحرجه الصحافي بمعلومات النقطة السابعة، لم يعترف بعلمه بالعملية بل قال له: "الآن عليك أن تقوم بالمزيد من العمل/البحث".
في النهاية، وبعد عمل مضنٍ لثلاث سنوات، وصل الصحافي غايتهاوس إلى الدائرة الضيّقة التي يمكنه الحصول على الإثبات بأن وكالة المخابرات المركزية قامت فعلاً بتسميم حارس إنكلترا لترجيح دفة البرازيل، لكن الالتزام المهني لأعضاء الوكالة بعدم الإفصاح عن تلك المعلومة، حالَ دون ذلك.
لكن نتيجة البحث الذي قام به والترجيحات التي ذكرها تلعب دوراً أساسياً في تغليب نظرية صحة المعلومة. ومن هنا، بعد الانتهاء من بحثه ونشره في الصحف الإنكليزية، تعود هذه القصة لتذكرنا بقاعدة أساسية في العلاقات الدولية وهي أن الصداقات بين الدول تكون على مستوى الحكومات، وليس الأجهزة الأمنية، والأمثلة عن هذه النظرية بحاجة لمقالات عديدة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 11:54