حدادين يكتب: الأمن التشريعي.. هل تشريعات الأردن جاهزة لحماية مشاريع المليارات؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 10:02
عندما نتحدث عن الأمن الوطني، يتجه التفكير مباشرة إلى الجيش، والأجهزة الأمنية، وحماية الحدود، والأمن السيبراني. الاّ أن حماية الدولة اليوم تمتد أيضاً إلى حماية اقتصادها ومشاريعها الاستراتيجية من خلال منظومة تشريعية متطورة وقادرة على إدارة المخاطر لأن الدول أصبحت تواجه نوعاً آخر من التهديدات يتمثل في ضعف الأمن التشريعي.
نعم... الأمن التشريعي.
فالدول لا تخسر اليوم بسبب الحروب فقط، بل قد تخسر مئات الملايين، وربما مليارات الدولارات، بسبب عقد كُتب بصورة سيئة، أو نص قانوني غامض، أو توزيع غير متوازن للمخاطر، أو قرار إداري اتُّخذ دون قراءة قانونية دقيقة. وهذه ليست فرضية، بل واقع شهدته دول عديدة وجدت نفسها بعد سنوات من تنفيذ مشاريعها العملاقة أمام هيئات تحكيم دولية تطالبها بتعويضات هائلة استنزفت المال العام وأثرت في خططها التنموية.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يسبق الحديث عن أي مشروع وطني كبير في الأردن: هل تشريعاتنا جاهزة لحماية مشاريع المليارات قبل أن تكون جاهزة لإطلاقها؟
فالمشروع لا يبدأ عندما تتحرك الجرافات، بل عندما تُكتب أول مسودة للعقد، وعندما يُصاغ أول نص تشريعي، وعندما تُحدد الصلاحيات، وتُوزع المخاطر، وتُرسم آليات اتخاذ القرار. وفي تلك اللحظة تحديداً يتقرر مصير المشروع الحقيقي، وليس يوم افتتاحه.
لقد أصبح العالم ينظر إلى التشريع باعتباره جزءاً من البنية التحتية للدولة، تماماً كما ينظر إلى الطرق والمطارات ومحطات الطاقة. فلا يمكن بناء اقتصاد عالمي بعقود محلية تقليدية، ولا يمكن إدارة استثمارات تمتد ثلاثين عاماً بعقلية تشريعية صُممت لمشروعات قصيرة الأجل.
إن مشاريع المياه، والطاقة، والسكك الحديدية، والتعدين، والتحول الرقمي، ليست مجرد مشاريع إنشائية، بل منظومات قانونية معقدة تتداخل فيها الالتزامات التعاقدية، والتمويل الدولي، والتغيرات الاقتصادية، والتطورات التقنية، والمعايير البيئية، والالتزامات التنظيمية. وأي خلل في هذه المنظومة قد لا يظهر اليوم أو غداً، بل قد ينفجر بعد عشر سنوات في صورة نزاع دولي تتجاوز كلفته قيمة المشروع نفسه.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لسنا بحاجة فقط إلى تحديث بعض النصوص القانونية، بل إلى تغيير فلسفة التشريع نفسها. فالتشريع الحديث لا يلاحق الأحداث، بل يسبقها. ولا ينتظر الأزمة حتى يعالجها، بل يتوقعها ويُحاصرها قبل أن تولد. والدولة التي تكتب تشريعاتها بعينٍ على الحاضر فقط، ستجد نفسها بعد سنوات تدفع ثمن مستقبل لم تستعد له.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من النزاعات الكبرى لا تبدأ بخطأ قانوني صريح، بل بقرار إداري بسيط ظن صاحبه أنه إجراء روتيني: تأخير في اعتماد، تعديل غير مدروس، تفسير مختلف لبند تعاقدي، أو تجاهل لإشعار قانوني. تتراكم هذه القرارات بصمت، ثم تتحول إلى ملف ضخم أمام هيئة تحكيم دولية، حيث لا تُقاس النوايا، بل تُقرأ العقود، وتُوزن الالتزامات، وتُحدد المسؤوليات وفق القانون.
ولهذا، فإن حماية مشاريع المليارات لا تتحقق بعقد قوي فقط، بل بثقافة قانونية مؤسسية متكاملة. نحتاج إلى فرق تفاوض متخصصة، وإدارة احترافية للعقود، وإدارة مبكرة للمطالبات، وتقييم مستمر للمخاطر، ومراجعة تشريعية لا تتوقف عند مرحلة الإقرار، بل تمتد طوال دورة حياة المشروع. فالمشروع الذي لا يُدار قانونياً منذ يومه الأول، سيُدار لاحقاً داخل قاعة تحكيم، ولكن بكلفة أكبر بكثير.
كما أن المستثمر العالمي لم يعد يقارن بين الدول بحجم الإعفاءات أو سرعة إصدار التراخيص فقط، بل يسأل سؤالاً أكثر عمقاً: هل البيئة القانونية مستقرة؟ وهل يمكن الوثوق بأن قواعد اللعبة لن تتغير كلما تغير مسؤول أو إدارة؟ فالثقة التشريعية أصبحت اليوم رأس مال لا يقل قيمة عن رأس المال المالي.
إن الأردن مقبل على مرحلة تتطلب مشاريع استراتيجية ضخمة، وهذه فرصة تاريخية تستحق منظومة تشريعية توازي حجم الطموح. فالدولة التي تستثمر مليار دينار في مشروع، يجب أن تستثمر بالقدر نفسه من الجهد في بناء الإطار القانوني الذي يحمي ذلك المشروع لعقود، لأن حماية المال العام لا تبدأ عند وقوع النزاع، بل تبدأ يوم يُكتب أول بند في العقد، ويُصدر أول تشريع ينظم المشروع.
لن يُقاس نجاح الأردن في المرحلة المقبلة بعدد مشاريع المليارات التي يطلقها، بل بقدرته على حمايتها قانونياً لعقود. فالمشروع الذي لا يحظى بمنظومة متكاملة من الأمن التشريعي منذ يومه الأول، قد يتحول إلى نزاع يستنزف المال العام ويقوض أهدافه التنموية. لذلك، الأمن التشريعي هو ضرورة وطنية لضمان استدامة المشاريع وحماية الاقتصاد وتعزيز ثقة المستثمرين وهو أحد أهم أركان الأمن الوطني والاقتصادي.
نعم... الأمن التشريعي.
فالدول لا تخسر اليوم بسبب الحروب فقط، بل قد تخسر مئات الملايين، وربما مليارات الدولارات، بسبب عقد كُتب بصورة سيئة، أو نص قانوني غامض، أو توزيع غير متوازن للمخاطر، أو قرار إداري اتُّخذ دون قراءة قانونية دقيقة. وهذه ليست فرضية، بل واقع شهدته دول عديدة وجدت نفسها بعد سنوات من تنفيذ مشاريعها العملاقة أمام هيئات تحكيم دولية تطالبها بتعويضات هائلة استنزفت المال العام وأثرت في خططها التنموية.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يسبق الحديث عن أي مشروع وطني كبير في الأردن: هل تشريعاتنا جاهزة لحماية مشاريع المليارات قبل أن تكون جاهزة لإطلاقها؟
فالمشروع لا يبدأ عندما تتحرك الجرافات، بل عندما تُكتب أول مسودة للعقد، وعندما يُصاغ أول نص تشريعي، وعندما تُحدد الصلاحيات، وتُوزع المخاطر، وتُرسم آليات اتخاذ القرار. وفي تلك اللحظة تحديداً يتقرر مصير المشروع الحقيقي، وليس يوم افتتاحه.
لقد أصبح العالم ينظر إلى التشريع باعتباره جزءاً من البنية التحتية للدولة، تماماً كما ينظر إلى الطرق والمطارات ومحطات الطاقة. فلا يمكن بناء اقتصاد عالمي بعقود محلية تقليدية، ولا يمكن إدارة استثمارات تمتد ثلاثين عاماً بعقلية تشريعية صُممت لمشروعات قصيرة الأجل.
إن مشاريع المياه، والطاقة، والسكك الحديدية، والتعدين، والتحول الرقمي، ليست مجرد مشاريع إنشائية، بل منظومات قانونية معقدة تتداخل فيها الالتزامات التعاقدية، والتمويل الدولي، والتغيرات الاقتصادية، والتطورات التقنية، والمعايير البيئية، والالتزامات التنظيمية. وأي خلل في هذه المنظومة قد لا يظهر اليوم أو غداً، بل قد ينفجر بعد عشر سنوات في صورة نزاع دولي تتجاوز كلفته قيمة المشروع نفسه.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لسنا بحاجة فقط إلى تحديث بعض النصوص القانونية، بل إلى تغيير فلسفة التشريع نفسها. فالتشريع الحديث لا يلاحق الأحداث، بل يسبقها. ولا ينتظر الأزمة حتى يعالجها، بل يتوقعها ويُحاصرها قبل أن تولد. والدولة التي تكتب تشريعاتها بعينٍ على الحاضر فقط، ستجد نفسها بعد سنوات تدفع ثمن مستقبل لم تستعد له.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من النزاعات الكبرى لا تبدأ بخطأ قانوني صريح، بل بقرار إداري بسيط ظن صاحبه أنه إجراء روتيني: تأخير في اعتماد، تعديل غير مدروس، تفسير مختلف لبند تعاقدي، أو تجاهل لإشعار قانوني. تتراكم هذه القرارات بصمت، ثم تتحول إلى ملف ضخم أمام هيئة تحكيم دولية، حيث لا تُقاس النوايا، بل تُقرأ العقود، وتُوزن الالتزامات، وتُحدد المسؤوليات وفق القانون.
ولهذا، فإن حماية مشاريع المليارات لا تتحقق بعقد قوي فقط، بل بثقافة قانونية مؤسسية متكاملة. نحتاج إلى فرق تفاوض متخصصة، وإدارة احترافية للعقود، وإدارة مبكرة للمطالبات، وتقييم مستمر للمخاطر، ومراجعة تشريعية لا تتوقف عند مرحلة الإقرار، بل تمتد طوال دورة حياة المشروع. فالمشروع الذي لا يُدار قانونياً منذ يومه الأول، سيُدار لاحقاً داخل قاعة تحكيم، ولكن بكلفة أكبر بكثير.
كما أن المستثمر العالمي لم يعد يقارن بين الدول بحجم الإعفاءات أو سرعة إصدار التراخيص فقط، بل يسأل سؤالاً أكثر عمقاً: هل البيئة القانونية مستقرة؟ وهل يمكن الوثوق بأن قواعد اللعبة لن تتغير كلما تغير مسؤول أو إدارة؟ فالثقة التشريعية أصبحت اليوم رأس مال لا يقل قيمة عن رأس المال المالي.
إن الأردن مقبل على مرحلة تتطلب مشاريع استراتيجية ضخمة، وهذه فرصة تاريخية تستحق منظومة تشريعية توازي حجم الطموح. فالدولة التي تستثمر مليار دينار في مشروع، يجب أن تستثمر بالقدر نفسه من الجهد في بناء الإطار القانوني الذي يحمي ذلك المشروع لعقود، لأن حماية المال العام لا تبدأ عند وقوع النزاع، بل تبدأ يوم يُكتب أول بند في العقد، ويُصدر أول تشريع ينظم المشروع.
لن يُقاس نجاح الأردن في المرحلة المقبلة بعدد مشاريع المليارات التي يطلقها، بل بقدرته على حمايتها قانونياً لعقود. فالمشروع الذي لا يحظى بمنظومة متكاملة من الأمن التشريعي منذ يومه الأول، قد يتحول إلى نزاع يستنزف المال العام ويقوض أهدافه التنموية. لذلك، الأمن التشريعي هو ضرورة وطنية لضمان استدامة المشاريع وحماية الاقتصاد وتعزيز ثقة المستثمرين وهو أحد أهم أركان الأمن الوطني والاقتصادي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/30 الساعة 10:02