الحياة دقائق وثوان

مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 22:56
الحياة يا صديقي عجيبة… نحسبها طويلة حين نعدُّ أيامها وسنينها، لكنها قصيرة جدًا حين نعيشها.

تُطوى الليالي والمُسافِرُ قاعدٌ *** ويُساقُ نحوَ الموتِ والموتُ قاصِدُ

تمضي سريعة كمرّ السحاب، لا تشعر بها إلا حين تلتفت إلى الوراء، فتدرك أن الأعوام مرّت كأنها حلم.

والعاقل مَن يغتنم وقته قبل أن يُسرق منه، فكل لحظة تمرّ هي جزء من عمر لا يعود.

وحين تقترب النهاية، يكون وقت الجدّ لا الراحة، ووقت العزم لا الفتور.

قال بعض السلف:(أحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضى).وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه فَهِم هذا الدرس حين اجتهد في آخر عمره اجتهادًا شديدًا، فقيل له:لو رَفقت بنفسك؟ فقال:(إن الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها!).

فلا تكن الخيل أذكى منك! فهي إذا أدركت قرب النهاية انطلقت بكل ما تملك لتفوز، فكيف بك وأنت تسابق إلى الآخرة؟ {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين: 20].

قال تعالى:{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [سورة فاطر: 37].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أو لم نُعمّركم ستين سنة؟).

وقال أيضًافي المقصود بالنذير في قوله تعالى{وجاءكم النذير} أي النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو الشيب.والشيب نذيرٌ صامت يقول لنا: اقترب الوداع… فأحسنوا الختام.

ما بعد الستين إلا أيام معدودة

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: "أعذر الله إلى امرئٍ أَخَّر أجله حتى بلغ ستين سنة".

قال ابن حجر رحمه الله: (أي لم يترك له عذرًا، فقد أزاح الله عن العبد كل حجة بعد هذا العمر).

فما بعد الستين إلا أيام معدودة، يليق بها الاجتهاد لا الغفلة.

ستون سنة من النعم والفرص كافية لتكون حجةً لك أو عليك.

الاستغفار عند اقتراب الأجل

في لحظة النصر، وعند تمام الرسالة، لم يأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالراحة… بل بالاستغفار.

قال تعالى:{إذا جاء نصرُ اللهِ والفتح، ورأيتَ الناسَ يدخلون في دينِ اللهِ أفواجاً، فسبِّحْ بحمدِ ربِّكَ واستغفِرْهُ إِنَّهُ كانَ توّاباً}

(سورة النصر: 1–3)

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة النصر إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" [البخاري ومسلم].

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو من غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر – يكثر من الاستغفار في آخر أيامه، فكيف بنا نحن؟

يا نفسُ توبي فإنّ الموتَ قد حانا***واعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا

يا راكضاً في ميادين الهوى مرحـاً*** ورافــلاً في ثياب الغيِّ نشوانا

مضى الزمان وولى العمر في لعب***يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا

عبادة بلا تقاعد

يظن بعض الناس أن التقدم في العمر إعفاء من المسؤولية، لكن الحقيقة أن الواجب يزداد كلما اقترب اللقاء.

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:"إن الله عز وجل تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفاه، وأكثر ما كان الوحي عليه في آخر أيامه".

فالنبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره كان أكثر الناس عملاً وقربًا من الله، فما بالنا نحن نضعف حين تشتدّ الحاجة للعمل الصالح وقد علمنا أن الأعمال بالخواتيم؟

لا تقلْ قد مضى الشبابُ، ففي الحزمِ بقايا عزيمةٍ لا تشيبُ

الخاتمة… هي الصورة الأخيرة

النهاية ليست تفصيلًا صغيرًا، بل هي الخلاصة التي تُكتب بها حياة الإنسان، وكل عبد يبعث على ما مات عليه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:"يُبعث كل عبد على ما مات عليه".

يا لها من لحظةٍ تحدد المصير! من مات على طاعة، بُعث مطيعًا،ومن مات على غفلة، بُعث غافلًا.

فلتكن نهاية العمر صفحة بيضاء، نختمها بـ "أستغفر الله" لا بـ"ياليتني".

تزود من التقوى فإنك لا تدري***إذا جنّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ

إن الحياة سباق، والنهاية السعيدة ليست للسرعة بل للثبات على الصراط.

فاسعَ أن تكون آخر لحظاتك فيها أجمل أعمالك، ولنهتف دائمًا: اللهم اجعل خير عمري آخره.

اللهم أحسن ختامنا، ووفّقنا لعملٍ صالح يرضيك قبل لقائك.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 22:56