شطناوي يكتب: النشامى.. حكاية وطن لا تُقاس بنتيجة

أ.د. نورس شطناوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 15:52
ليس كل نقدٍ وعياً، ولا كل سخريةٍ شجاعة.. هناك فرقٌ بين أن تنتقد منتخبك، وأن تستهزئ به... النقدُ حقٌّ، بل ضرورة. أمّا السخرية من منتخبٍ يحمل اسم البلاد، ويقاتل تحت علمها، ويختصر على العشب سمعة وطنٍ وتعب مؤسساته وأحلام جمهوره، فليست شجاعةً في الرأي، بل خفّةٌ في المعنى، وفقرٌ في الميزان.

ماذا يريد الساخرون بالضبط؟ أن نقيس مسيرة كرة القدم الأردنية كلها بليلة واحدة؟ وأن ندفن كل ما تحقق لأنَّ بعض الناس لا يجيدون إلا لغة التهكم السريع؟ هذه ليست قراءة رياضية، بل محكمةٌ منفعلة يديرها الترند لا العقل.

الوقائع والأرقام تقول شيئاً آخر... المنتخب الأردني بلغ نهائي كأس آسيا للمرة الأولى في تاريخه في شباط 2024، بعدما تعادل مع كوريا الجنوبية في دور المجموعات، ثم أقصى العراق الذي كان قد تصدّر مجموعته بالعلامة الكاملة، وتجاوز طاجيكستان، وأسقط كوريا الجنوبية نفسها في نصف النهائي بهدفين نظيفين. وبعد أشهر، أنهى الجولة الثانية من تصفيات كأس العالم في صدارة مجموعته أمام السعودية، ثم جمع 16 نقطة في المرحلة الحاسمة وتأهل مباشرة إلى مونديال 2026 للمرة الأولى في تاريخ الكرة الأردنية. وحتى على مستوى التصنيف، قفز الأردن إلى المركز السبعين بعد كأس آسيا، ثم إلى الرابع والستين في نهاية 2025، واستقر في المركز الثالث والستين في آخر تصنيف رسمي قبل المونديال. هذه ليست صدفةً عابرة؛ هذه حصيلةُ عملٍ تراكميٍّ واضح.

وحين نتحدث عن المعنى الوطني للأداء، يكفينا أن نصغي إلى جلالة الملك حينما قال للاعبين في بداية مشوار كأس العالم: (أبطال منتخبنا الوطني، كل التوفيق لكم في مشوار كأس العالم. قاتلوا في الملعب بروح النشامى التي عهدناها بكم، وارفعوا اسم الأردن عاليا، فقلوبنا معكم وفخرنا بكم ثابت دائما). وسبق لجلالته أن أكد، في عبارةٍ ينبغي أن تُكتب فوق أبواب كل نقاش رياضي مسؤول، أن (العبرة ليست بالنتيجة فحسب، بل بالتحدي والإصرار). أما سمو ولي العهد، فقد لخّص المعنى كلَّه حين قال: (وقت الجد، النشامى بياض وجه)، ثم قال بعد ختام المشاركة المونديالية: (نعم لم نكسب نقاطا، ولكننا كسبنا بأخلاق النشامى احترام العالم لنا). هذه ليست عبارات مجاملة؛ هذه فلسفةُ نظرٍ إلى الرياضة: كرامةٌ، وتمثيلٌ مشرّف، وتراكمُ بناء.

يقول بعضهم إنَّ المونديال كشف الحقيقة. نعم، كشف حقيقةً واحدة: أنَّ الأردن دخل كأس العالم من باب التاريخ لا من باب الخبرة المتراكمة. لكنه، حتى في الخسارة، لم يدخل ليتفرّج. أمام النمسا ظلّ متماسكاً وعادل النتيجة قبل أن تنقلب المباراة بتفاصيلها. وأمام الجزائر تقدّم أولاً. وأمام الأرجنتين، بطلة العالم، سجّل هدفاً ولم يخرج صامتاً. والأهم أنَّ المنتخب سجّل في كل مباراة من مبارياته الثلاث. هذا لا يعني أنَّ كل شيء مثالي، لكنه يعني بوضوح أنَّ الفريق لم يكن جثةً كروية كما يحلو للبعض أن يصوّره. بل كان مشروعَ خبرةٍ يتكوّن تحت ضغط أعلى مسرحٍ كروي في العالم.

المنتخب يحتاج تطويراً، نعم صحيح... يحتاج عمقاً أكبر في الدكة. يحتاج مزيداً من اللاعبين في دوريات أقوى... لكن الفرق بين الأمم الجادة والأمم المستهترة هو أن الأولى تبني على ما أنجزت، والثانية تسخر مما أنجزت لأنها لم تبلغ الكمال دفعة واحدة. وما بين السخرية والبناء، تختار الدول الحية دائماً البناء.

النشامى ليسوا فوق النقد، لكنهم فوق التهكم... لأنهم، ببساطة، لم يهبطوا علينا من فراغ، ولم يسرقوا إنجازهم من أحد، ولم يدّعوا ما ليس فيهم. لقد تعبوا، وصعدوا، وخسروا بعض المحطات، وربحوا محطاتٍ أكبر. وهذا هو تعريف الفريق الحقيقي: ليس الفريق الذي لا يخسر، بل الفريق الذي كلما خسر تعلّم، وكلما تعلّم اقترب، وكلما اقترب رفع اسم بلاده معه.

لهذا، من أراد أن ينقد، فلينقد بعينٍ خبيرة ولسانٍ مسؤول. ومن أراد أن يسخر، فليتذكر أن الأوطان لا تكبر بالشماتة في ممثليها، بل بالوقوف معهم، ومحاسبتهم بعدل، وحماية المنجز من التبخيس. نحن لا ندافع عن وهم؛ نحن ندافع عن مسار. والمسارات الكبيرة لا يحكم عليها بالعجلة، ولا تُختصر في تدوينة ساخرة، ولا تُهان لأنّ الطريق إلى القمة لم يكتمل بعد. لقد قالها سمو ولي العهد ببلاغةٍ كافية: نعم لم نكسب نقاطا، ولكننا كسبنا بأخلاق النشامى احترام العالم لنا.

نعم لقد كسبنا أيضاً ما هو أبقى من النقاط، كسبنا دليلاً جديداً على أن الأردن، حين يعمل بصبر، لا يعود رقماً هامشياً في أي ميدان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/29 الساعة 15:52