سيجارة حشيش و16 عاما من الضياع.. أردنيون يكسرون حلقة الإدمان

مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/26 الساعة 21:43
مدار الساعة - محمد الطراونة -"خسرت عملي، وخسرت عائلتي، وأصدقائي، وجامعتي.. 16 عاما من حياتي ذهبت هباء". بهذه الكلمات الثقيلة يلخص الشاب الأردني محمود أ.، 33 عاما، رحلة طويلة مع المخدرات بدأت في سن المراهقة، وانتهت قبل 6 أشهر فقط بمحاولة جادة لاستعادة حياة كادت تضيع كاملة.

لم يكن محمود يتخيل أن سيجارة حشيش ناوله إياها أحد أصدقائه وهو في الـ17 من عمره ستفتح بابا طويلا من الخسارات. قيل له يومها إنها "تجربة عابرة" لا ضرر منها، لكنه يراها اليوم اللحظة التي بدأ بعدها الانزلاق.

يقول محمود إن الإغراء يبدأ غالبا بالعبارة نفسها: "جرّب.. لن يحدث شيء". غير أن ما بدا تجربة بسيطة تحول، مع الوقت، إلى إدمان امتد 16 عاما، فقد خلالها عمله، ودراسته الجامعية، وعلاقاته الاجتماعية، وحتى احترامه لنفسه.

أقسى ما يحمله محمود من تلك السنوات ليس فقدان العمل أو الدراسة، بل ذكرى والده الذي رحل وهو يظن أن ابنه توقف عن التعاطي. كان الأب مطمئنا إلى أن محمود خرج من دائرة الإدمان، بينما كان الابن لا يزال يتعاطى ويخفي الحقيقة.

يقول محمود بصوت تغلب عليه الحسرة: "والدي مات وهو يعتقد أنني تعافيت، لكنني كنت أكذب عليه. هذا الشعور يرافقني كل يوم، ولا أريد لأحد أن يعيش هذا الذنب".

من هذه التجربة، يوجه رسالته لكل متعاط ألا ينتظر لحظة الفقد كي يبدأ العلاج، فالإدمان لا يسرق الصحة فقط، بل يسرق العلاقات والذاكرة والكرامة، ويترك وراءه شعورا ثقيلا بالندم.

تدرج محمود في التعاطي من الحشيش إلى الكبتاغون، ثم إلى مواد أكثر خطورة. ويقول إن الحصول على المخدرات كان أسهل في السابق، بينما أصبحت المهمة أصعب اليوم مع تشديد الإجراءات الأمنية وملاحقة المروجين.

لكن قرار التعافي لم يكن أمنيا فقط، بل عائليا وإنسانيا. فقد وجد نفسه على وشك خسارة والدته أيضا، بعدما خيرته بين أسرته وبين الإدمان، فاختار العودة إلى الحياة.

ورغم أنه تمكن من الإقلاع بإرادته، بعد أن توقف تدريجيا عن أخطر المواد، فإنه يؤكد أن متعاطي الكريستال ميث والكبتاغون يحتاجون إلى علاج داخل مراكز متخصصة، مشيدا بسرية الإجراءات واحترام خصوصية المرضى في مراكز العلاج بالأردن. ويختصر نصيحته بعبارة مباشرة: "اكسب نفسك وحياتك.. وروح أنت عليهم قبل ما هم ييجوك".

خسارة بوجه آخر

ولا تختلف قصة محمود ع. كثيرا في بدايتها عن قصة محمود أ.، لكنها تكشف وجها آخر من الخسارة داخل البيت نفسه.

يروي محمود، وهو شاب تعافى من خطر المخدرات، أن الإدمان دفعه إلى بيع ذهب والدته، ثم أسطوانات الغاز في منزله، وحتى ملابس شقيقته وهاتفها المحمول، لتأمين ثمن الجرعات، بينما كانت أسرته تجهل أنه يتعاطى المخدرات.

وعندما أدرك أنه يسير نحو الهاوية، قرر تسليم نفسه طوعا إلى مركز علاج الإدمان، رغم خوفه من افتضاح أمره أو ملاحقته قانونيا. لكنه فوجئ بسرية الإجراءات، إذ كان يُعامل داخل المركز برقم حفاظا على خصوصيته، ولم يعلم والداه بإدمانه طوال فترة العلاج التي استمرت 3 أشهر.

خرج عويضة من المركز متعافيا، من دون أن يُسجل بحقه أي قيد قانوني، لأنه بادر بنفسه إلى طلب العلاج. وتبدو قصته، مثل قصة محمود أ.، شاهدا على أن الخوف من العلاج قد يكون أحيانا أخطر من العلاج نفسه.

تأتي قصة محمود بالتزامن مع إحياء العالم، اليوم الجمعة 26 يونيو/حزيران، اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، فيما اختارت مديرية الأمن العام الأردنية، ممثلة بإدارة مكافحة المخدرات، شعار "بالوعي.. نكسر الحلقة" عنوانا لفعالياتها التوعوية هذا عام.

وتحمل الحملة رسالة تقوم على الوقاية والتوعية والعلاج، إلى جانب استمرار ملاحقة شبكات التهريب والاتجار. كما تنظم إدارة مكافحة المخدرات سلسلة فعاليات ومعارض توعوية في محافظات المملكة، تستهدف تعزيز وعي المجتمع، وخاصة الشباب، بمخاطر المخدرات وآثارها الصحية والاجتماعية والأمنية.

وبينما تبرز الضبطيات والأرقام حجم المواجهة الأمنية، تكشف قصص المتعافين جانبا آخر من المعركة؛ جانبا يبدأ من الخوف والوصمة والإنكار، وينتهي أحيانا بقرار شجاع لطلب العلاج.

من 18 سريرا إلى مركز متخصص

بدأ الأردن تجربة علاج الإدمان عام 1993، بإنشاء أول مركز متخصص لمعالجة المدمنين في منطقة جبل اللويبدة بالعاصمة عمّان، بطاقة استيعابية بلغت 18 سريرا. وكان المركز أول مركز من نوعه في المملكة، والوحيد عالميا الذي يتبع لجهاز شرطي.

وفي عام 2009، انتقل المركز إلى مبنى جديد في منطقة عرجان، لترتفع طاقته الاستيعابية إلى 60 سريرا، قبل أن يشهد توسعة جديدة عام 2012 رفعت القدرة الاستيعابية إلى 170 سريرا، بإشراف كوادر متخصصة في العلاج الطبي والنفسي والتأهيل.

ويقوم العلاج على مراحل متتابعة، تبدأ بالتقييم الطبي والنفسي، ثم التعامل مع أعراض الانسحاب، مرورا ببرامج التأهيل السلوكي والنفسي، وصولا إلى المتابعة اللاحقة بعد خروج المتعافي، بما يساعده على العودة إلى حياته الطبيعية والحد من احتمالات الانتكاسة.

ولا تقتصر خدمات علاج الإدمان في الأردن على المراكز الحكومية. فمستشفى الرشيد، الواقع في منطقة أبو نصير شمالي عمّان، يعد أول مستشفى نفسي في القطاع الخاص بالمملكة، بسعة تبلغ 140 سريرا، ويضم أقساما منفصلة للرجال والنساء، إضافة إلى وحدة متخصصة لعلاج الإدمان على المخدرات والكحول والمهدئات.

ويعتمد المستشفى، بحسب القائمين عليه، نهجا علاجيا يوفر بيئة آمنة ورعاية متخصصة بإشراف فريق طبي ونفسي واجتماعي، مع الالتزام بالسرية التامة واحترام خصوصية المرضى، إلى جانب خدمات العلاج النفسي والوظيفي، والاختبارات النفسية، والتقييم والمتابعة والاستشارات الصحية.

سرية العلاج لا تترك عذرا

يؤكد رئيس قسم الإعلام في مستشفى الرشيد، أنس الطنطاوي، أن التشريعات الأردنية توفر حماية قانونية للراغبين في العلاج، إذ لا تُقام دعوى الحق العام بحق من يتقدم للعلاج من تلقاء نفسه، سواء في القطاع العام أو الخاص، مع ضمان السرية والخصوصية الكاملة.

ويقول الطنطاوي إن المخاوف المرتبطة بالوصمة الاجتماعية تراجعت خلال السنوات الأخيرة، مع ازدياد ثقة المواطنين بالمراكز العلاجية. ويوضح أن البرامج العلاجية تُبنى وفق حالة كل مريض، وتشمل العلاج الطبي والنفسي والرياضي والديني، إضافة إلى إشراك الأسرة في بعض الحالات، وبرامج متابعة بعد انتهاء العلاج.

ويحذر الطنطاوي من تأخير طلب العلاج، قائلا إن المدمن قد يتحول في أي لحظة إلى مصدر خطر على نفسه أو أسرته أو المجتمع، سواء بسبب الجرعات الزائدة أو ارتكاب الجرائم أو نقل الإدمان إلى محيطه الاجتماعي. ويدعو الأسر إلى المبادرة وعدم الاكتفاء بوعود المتعاطي بأنه قادر على الإقلاع بمفرده.

أرقام تكشف حجم الظاهرة

ورغم الجهود العلاجية والوقائية، لا تزال جرائم المخدرات تمثل تحديا أمنيا واجتماعيا في الأردن.

وبحسب التقرير الإحصائي الجنائي، انخفض عدد جرائم المخدرات في الأردن خلال عام 2025 بنسبة 12.78% مقارنة بعام 2024، ليسجل 22,031 جريمة، مقابل 25,260 جريمة في العام السابق.

كما بلغ عدد جرائم حيازة وتعاطي المواد المخدرة 15,720 جريمة، في حين سجلت جرائم الاتجار 6,311 جريمة خلال العام نفسه. وبلغ مجموع جرائم المخدرات المسجلة بين عامي 2021 و2025 أكثر من 104 آلاف جريمة.

وتعكس هذه الأرقام أن المواجهة لا تقتصر على الضبط والملاحقة، بل تحتاج أيضا إلى وقاية مبكرة، وعلاج متاح، ورسائل اجتماعية تكسر الحرج والخوف من طلب المساعدة.

وقبيل اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات إحباط 5 قضايا نوعية، أبرزها ضبط 6 لترات من الكوكايين السائل قادمة عبر مطار الملكة علياء الدولي، وإحباط محاولة تهريب 150 ألف حبة مخدرة عبر مركز حدود جابر.

كما شملت القضايا إلقاء القبض على مطلوب مصنف بالخطير، وضبط مزرعة تضم 2300 شتلة ماريجوانا، وتوقيف تاجرين بحوزتهما 9 آلاف حبة مخدرة.

وفي تطور لافت، أعلن الجيش الأردني إحباط محاولة تهريب مواد مخدرة بواسطة بالونات موجهة إلكترونيا على الحدود السورية الأردنية، ما يعكس تنوع أساليب التهريب وتطور أدوات الشبكات التي تحاول الالتفاف على الرقابة الحدودية.

ورغم كل الأرقام والضبطيات، تبقى قصص المتعافين هي الرسالة الأقوى. فبالنسبة لمحمود الأسمر، لم يكن التعافي مجرد التوقف عن التعاطي، بل محاولة لاستعادة حياة كاملة فقدها لسنوات.

اليوم، وبعد 6 أشهر من بداية جديدة، لا يقدم محمود موعظة جاهزة بقدر ما يقدم خلاصة تجربة دفع ثمنها من عمره وعائلته وعلاقاته. يقول للشباب: "لا تجرب المخدرات ولو مرة واحدة.. التعافي يستحق التجربة، أما الإدمان فلا يستحق أن تخسر حياتك من أجله".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/26 الساعة 21:43