هل تكفينا المياه الجوفية في الأردن إلى أن ننجز الناقل الوطني والتحلية؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/24 الساعة 15:45
بين استنزاف المخزون القائم… وإدارة مرحلة العبور المائي...
في كل نقاش جاد حول مستقبل المياه في الأردن، يأتي سؤال مركزي لا يمكن القفز عنه:
هل تكفينا المياه الجوفية الأردنية لتأمين احتياجاتنا حتى دخول مشروع الناقل الوطني للتحلية مرحلة التشغيل والإنتاج؟
والإجابة العلمية الدقيقة لا يجوز أن تُصاغ بلغة التخويف ولا بلغة الاطمئنان المطلق.
فالأردن لا يواجه سيناريو "نفاد مفاجئ للمياه"، لكنه يعيش مرحلة أكثر تعقيداً:
مرحلة إجهاد مائي تراكمي تتآكل فيها الهوامش الآمنة تدريجياً، نتيجة فجوة مستمرة بين الطلب والموارد المتجددة.
وفي هذا السياق، تصبح المياه الجوفية ليست مجرد مصدر، بل:
خط الدفاع الاستراتيجي الأخير قبل اكتمال مشاريع التحلية الكبرى.
أولاً: أين نقف مائياً اليوم؟
الأردن يُصنّف ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، إذ تقل حصة الفرد السنوية من المياه عن حدود الفقر المائي العالمي (500 م³/فرد/سنة) بفارق كبير، حيث تدور الحصة الفعلية حول مستويات شديدة الانخفاض نتيجة:
محدودية الأمطار وتذبذبها العالي
النمو السكاني المتسارع
التوسع الحضري والصناعي
ارتفاع الطلب الزراعي
ضغوط التغير المناخي
وتعتمد المملكة بشكل كبير على المياه الجوفية لتغطية احتياجات الشرب والزراعة والصناعة، مع فجوة مائية يتم سدها عبر الإدارة التشغيلية للمصادر.
وفي هذا الإطار، يمثل مشروع الناقل الوطني للتحلية إضافة استراتيجية تُقدّر بنحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة من العقبة عند اكتماله، ما يشكل نقطة تحول في معادلة الأمن المائي الأردني.
ثانياً: المياه الجوفية… بين المتجدد والأحفوري
لفهم الواقع بدقة، لا بد من التمييز بين نوعين رئيسيين:
1- المياه الجوفية المتجددة
وهي التي تعتمد على التغذية السنوية من الأمطار والسيول، وهي محدودة جداً في الأردن، وتتفاوت حسب الأحواض.
2- المياه الجوفية الأحفورية (العميقة)
وهي مياه تشكلت عبر آلاف إلى عشرات آلاف السنين، مثل أجزاء من:
حوض الديسي
الأنظمة الرملية العميقة في البادية الجنوبية والشرقية
تكوينات رم والحجر الرملي النوبي،
وهذه المياه تمثل مخزوناً استراتيجياً غير متجدد عملياً على المدى البشري.
وهنا تكمن الخطورة:
التعامل مع المياه الأحفورية وكأنها مورد متجدد يؤدي إلى استنزاف غير قابل للاستعادة زمنياً.
ثالثاً: ديناميكية الخلل المائي في الأردن
الخزان الجوفي يعمل بمنطق ميزانية:
تغذية طبيعية مقابل سحب سنوي
وعندما يصبح السحب أعلى من التغذية تتشكل فجوة تسمى:
العجز المائي الجوفي
وتنعكس هذه الحالة في عدد من المؤشرات:
1- انخفاض مناسيب المياه
ما يؤدي إلى زيادة أعماق الضخ وارتفاع كلفة الطاقة التشغيلية.
2- تراجع الجودة
حيث ترتفع الملوحة أو تتغير الخصائص الكيميائية للمياه في بعض الأحواض نتيجة الإجهاد الهيدرولوجي.
3- مخاطر التلوث
خصوصاً في الأحواض القريبة من النشاط الزراعي والصرف غير المعالج.
رابعاً: هل تكفينا المياه الجوفية حتى تشغيل الناقل الوطني؟
الإجابة الدقيقة:
نعم، يمكن للمياه الجوفية أن تؤدي دور "جسر العبور المائي" حتى تشغيل الناقل الوطني، ولكن بشرط إدارة صارمة للطلب والسحب.
لكن يجب فهم الزمن بشكل صحيح:
ليست المسألة "كفاية مطلقة"
بل "قدرة على الصمود ضمن إدارة مضبوطة خلال فترة انتقالية محددة"
والخطر الحقيقي ليس نفاد المياه الجوفية خلال فترة قصيرة، بل:
تسارع تدهور النوعية والكلفة وعمق الآبار إذا استمر نمط الاستخدام الحالي دون ضبط.
خامساً: الناقل الوطني… تحول وليس بديلاً
يمثل مشروع الناقل الوطني للتحلية من العقبة نقلة استراتيجية، إذ يضيف قرابة 300 مليون م³ سنوياً من المياه المحلاة إلى النظام المائي الأردني.
لكن من الخطأ تصور أنه:
بديل كامل للمياه الجوفية
أو حل يعيد التوازن للخزانات تلقائياً، فالحقيقة أن:
التحلية تضيف مورداً جديداً، لكنها لا تعيد شحن الخزانات الجوفية التي استنزفت تاريخياً.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في:
إعادة توزيع الضغط على المصادر المائية، وإتاحة فرصة تاريخية لإعادة تأهيل وإدارة المياه الجوفية.
سادساً: مشروع استكشاف المياه الجوفية العميقة… إدارة المجهول:
في موازاة ذلك، يتجه الأردن نحو مرحلة علمية جديدة تتمثل في
استكشاف المياه الجوفية العميقة باستخدام تقنيات جيوفيزيائية ونمذجة هيدروجيولوجية متقدمة
بهدف تقييم إمكانات المياه على أعماق قد تتجاوز 1000 متر، خصوصاً في مناطق البادية ووادي عربة.
لكن علمياً يجب التأكيد على:
وجود مؤشرات جيوفيزيائية لا يعني بالضرورة وجود مياه اقتصادية، وليس كل ماء عميق صالح للاستخدام البشري أو الزراعي، وقد تكون بعض التكوينات عالية الملوحة أو غير قابلة للاستثمار...
لذلك فإن قيمة هذا التوجه ليست فقط في "اكتشاف المياه"، بل في:
تحويل المجهول الجوفي إلى معرفة قابلة للقرار.
سابعاً: ما المطلوب خلال المرحلة الانتقالية؟
1- إدارة صارمة للضخ الجوفي
تحديد سقوف استخراج لكل حوض بناءً على القدرة التجديدية الفعلية.
2- خريطة وطنية ديناميكية للمياه الجوفية
تشمل:
مناسيب لحظية
نوعية المياه
مناطق الإجهاد
نماذج تنبؤية مستقبلية
3- حماية الخزانات الاستراتيجية
تصنيف بعض الأحواض كمخزون وطني لا يُستنزف إلا ضمن خطط طويلة المدى.
4- إعادة هيكلة الطلب المائي
خصوصاً في الزراعة عبر:
التحول للمحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه
رفع كفاءة الري
ربط الدعم بالإنتاجية المائية
5- خفض الفاقد المائي
بوصفه المصدر "الأسرع" لتعويض العجز دون حفر أو ضخ إضافي.
وبالمحصلة، فالمياه الجوفية في الأردن ليست في طريقها إلى النفاد الفوري، لكنها في طريقها إلى تراجع الهوامش الآمنة إذا لم يُعاد ضبط نمط إدارتها.
ويمكنها أن تكفي كجسر عبور حتى تشغيل الناقل الوطني، بشرط أن تُدار كـ:
مخزون استراتيجي محدود، لا كمورد مفتوح.
أما المستقبل المائي للأردن فلا يقوم على خيار واحد، بل على معادلة متكاملة:
تحلية + إدارة صارمة للمياه الجوفية + كفاءة استخدام + معرفة علمية عميقة = أمن مائي مستدام
الأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى مصادر مياه جديدة…
بل يحتاج إلى تحول جذري في طريقة التفكير بالمياه:
من منطق "التوفير الطارئ"
إلى منطق "إدارة الندرة كعلم دولة".
في كل نقاش جاد حول مستقبل المياه في الأردن، يأتي سؤال مركزي لا يمكن القفز عنه:
هل تكفينا المياه الجوفية الأردنية لتأمين احتياجاتنا حتى دخول مشروع الناقل الوطني للتحلية مرحلة التشغيل والإنتاج؟
والإجابة العلمية الدقيقة لا يجوز أن تُصاغ بلغة التخويف ولا بلغة الاطمئنان المطلق.
فالأردن لا يواجه سيناريو "نفاد مفاجئ للمياه"، لكنه يعيش مرحلة أكثر تعقيداً:
مرحلة إجهاد مائي تراكمي تتآكل فيها الهوامش الآمنة تدريجياً، نتيجة فجوة مستمرة بين الطلب والموارد المتجددة.
وفي هذا السياق، تصبح المياه الجوفية ليست مجرد مصدر، بل:
خط الدفاع الاستراتيجي الأخير قبل اكتمال مشاريع التحلية الكبرى.
أولاً: أين نقف مائياً اليوم؟
الأردن يُصنّف ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، إذ تقل حصة الفرد السنوية من المياه عن حدود الفقر المائي العالمي (500 م³/فرد/سنة) بفارق كبير، حيث تدور الحصة الفعلية حول مستويات شديدة الانخفاض نتيجة:
محدودية الأمطار وتذبذبها العالي
النمو السكاني المتسارع
التوسع الحضري والصناعي
ارتفاع الطلب الزراعي
ضغوط التغير المناخي
وتعتمد المملكة بشكل كبير على المياه الجوفية لتغطية احتياجات الشرب والزراعة والصناعة، مع فجوة مائية يتم سدها عبر الإدارة التشغيلية للمصادر.
وفي هذا الإطار، يمثل مشروع الناقل الوطني للتحلية إضافة استراتيجية تُقدّر بنحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة من العقبة عند اكتماله، ما يشكل نقطة تحول في معادلة الأمن المائي الأردني.
ثانياً: المياه الجوفية… بين المتجدد والأحفوري
لفهم الواقع بدقة، لا بد من التمييز بين نوعين رئيسيين:
1- المياه الجوفية المتجددة
وهي التي تعتمد على التغذية السنوية من الأمطار والسيول، وهي محدودة جداً في الأردن، وتتفاوت حسب الأحواض.
2- المياه الجوفية الأحفورية (العميقة)
وهي مياه تشكلت عبر آلاف إلى عشرات آلاف السنين، مثل أجزاء من:
حوض الديسي
الأنظمة الرملية العميقة في البادية الجنوبية والشرقية
تكوينات رم والحجر الرملي النوبي،
وهذه المياه تمثل مخزوناً استراتيجياً غير متجدد عملياً على المدى البشري.
وهنا تكمن الخطورة:
التعامل مع المياه الأحفورية وكأنها مورد متجدد يؤدي إلى استنزاف غير قابل للاستعادة زمنياً.
ثالثاً: ديناميكية الخلل المائي في الأردن
الخزان الجوفي يعمل بمنطق ميزانية:
تغذية طبيعية مقابل سحب سنوي
وعندما يصبح السحب أعلى من التغذية تتشكل فجوة تسمى:
العجز المائي الجوفي
وتنعكس هذه الحالة في عدد من المؤشرات:
1- انخفاض مناسيب المياه
ما يؤدي إلى زيادة أعماق الضخ وارتفاع كلفة الطاقة التشغيلية.
2- تراجع الجودة
حيث ترتفع الملوحة أو تتغير الخصائص الكيميائية للمياه في بعض الأحواض نتيجة الإجهاد الهيدرولوجي.
3- مخاطر التلوث
خصوصاً في الأحواض القريبة من النشاط الزراعي والصرف غير المعالج.
رابعاً: هل تكفينا المياه الجوفية حتى تشغيل الناقل الوطني؟
الإجابة الدقيقة:
نعم، يمكن للمياه الجوفية أن تؤدي دور "جسر العبور المائي" حتى تشغيل الناقل الوطني، ولكن بشرط إدارة صارمة للطلب والسحب.
لكن يجب فهم الزمن بشكل صحيح:
ليست المسألة "كفاية مطلقة"
بل "قدرة على الصمود ضمن إدارة مضبوطة خلال فترة انتقالية محددة"
والخطر الحقيقي ليس نفاد المياه الجوفية خلال فترة قصيرة، بل:
تسارع تدهور النوعية والكلفة وعمق الآبار إذا استمر نمط الاستخدام الحالي دون ضبط.
خامساً: الناقل الوطني… تحول وليس بديلاً
يمثل مشروع الناقل الوطني للتحلية من العقبة نقلة استراتيجية، إذ يضيف قرابة 300 مليون م³ سنوياً من المياه المحلاة إلى النظام المائي الأردني.
لكن من الخطأ تصور أنه:
بديل كامل للمياه الجوفية
أو حل يعيد التوازن للخزانات تلقائياً، فالحقيقة أن:
التحلية تضيف مورداً جديداً، لكنها لا تعيد شحن الخزانات الجوفية التي استنزفت تاريخياً.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في:
إعادة توزيع الضغط على المصادر المائية، وإتاحة فرصة تاريخية لإعادة تأهيل وإدارة المياه الجوفية.
سادساً: مشروع استكشاف المياه الجوفية العميقة… إدارة المجهول:
في موازاة ذلك، يتجه الأردن نحو مرحلة علمية جديدة تتمثل في
استكشاف المياه الجوفية العميقة باستخدام تقنيات جيوفيزيائية ونمذجة هيدروجيولوجية متقدمة
بهدف تقييم إمكانات المياه على أعماق قد تتجاوز 1000 متر، خصوصاً في مناطق البادية ووادي عربة.
لكن علمياً يجب التأكيد على:
وجود مؤشرات جيوفيزيائية لا يعني بالضرورة وجود مياه اقتصادية، وليس كل ماء عميق صالح للاستخدام البشري أو الزراعي، وقد تكون بعض التكوينات عالية الملوحة أو غير قابلة للاستثمار...
لذلك فإن قيمة هذا التوجه ليست فقط في "اكتشاف المياه"، بل في:
تحويل المجهول الجوفي إلى معرفة قابلة للقرار.
سابعاً: ما المطلوب خلال المرحلة الانتقالية؟
1- إدارة صارمة للضخ الجوفي
تحديد سقوف استخراج لكل حوض بناءً على القدرة التجديدية الفعلية.
2- خريطة وطنية ديناميكية للمياه الجوفية
تشمل:
مناسيب لحظية
نوعية المياه
مناطق الإجهاد
نماذج تنبؤية مستقبلية
3- حماية الخزانات الاستراتيجية
تصنيف بعض الأحواض كمخزون وطني لا يُستنزف إلا ضمن خطط طويلة المدى.
4- إعادة هيكلة الطلب المائي
خصوصاً في الزراعة عبر:
التحول للمحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه
رفع كفاءة الري
ربط الدعم بالإنتاجية المائية
5- خفض الفاقد المائي
بوصفه المصدر "الأسرع" لتعويض العجز دون حفر أو ضخ إضافي.
وبالمحصلة، فالمياه الجوفية في الأردن ليست في طريقها إلى النفاد الفوري، لكنها في طريقها إلى تراجع الهوامش الآمنة إذا لم يُعاد ضبط نمط إدارتها.
ويمكنها أن تكفي كجسر عبور حتى تشغيل الناقل الوطني، بشرط أن تُدار كـ:
مخزون استراتيجي محدود، لا كمورد مفتوح.
أما المستقبل المائي للأردن فلا يقوم على خيار واحد، بل على معادلة متكاملة:
تحلية + إدارة صارمة للمياه الجوفية + كفاءة استخدام + معرفة علمية عميقة = أمن مائي مستدام
الأردن اليوم لا يحتاج فقط إلى مصادر مياه جديدة…
بل يحتاج إلى تحول جذري في طريقة التفكير بالمياه:
من منطق "التوفير الطارئ"
إلى منطق "إدارة الندرة كعلم دولة".
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/24 الساعة 15:45