الراجحي تكتب: تجربة لا تُنسى

حسناء الراجحي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/22 الساعة 16:34
ليس كل أثرٍ يُرى...

فبعض الآثار لا نكتشفها إلا حين نحاول نسيانها فلا نستطيع.

هناك أشخاص يمرّون في حياتنا بهدوء، فلا يصنعون ضجيجًا، لكنهم يتركون في الروح ما لا تتركه الأعوام.

لا لأنهم أعطوا أكثر...

بل لأنهم لمسوا شيئًا أعمق من الحاجة.

قد يمنحك إنسان الكثير، ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن.

وقد يمنحك آخر كلمةً، أو موقفًا عابرًا، فتظل سنواتٍ طويلة تذكره كلما تذكرت نفسك.

فليس كل عطاءٍ يُقاس بما خرج من اليد...

بعضه يُقاس بما دخل إلى القلب.

ولعل الإنسان لا يتألم من حاجته بقدر ما يتألم من الشعور الذي يصاحبها.

فما أثقل الحاجة حين تُذِلّ صاحبها.

وما أخفها حين تأتيها يدٌ رحيمة، فتأخذ عنها ثقلها.

بعض الناس يساعدونك لتنهض... وبعضهم يساعدونك دون أن يجعلوك تشعر أنك سقطت أصلًا.

وهنا يكمن الفرق.

فالكرامة لا تسكن فيما نأخذه...

بل فيما نشعر به ونحن نأخذه.

ولهذا لا يعلق القلب دائمًا بمن أحسن إليه.

بل بمن صان وجهه وهو يُحسن إليه.

وبمن حفظ له ما تبقى من كبريائه حين كان ضعيفًا.

ليس أجمل الإحسان أن يخفف ألمك... بل أن يحفظ كرامتك وأنت تتألم.

وفي أعماق الذاكرة، لا يبقى أثر الذين أعطوا أكثر.

يبقى أثر الذين جعلونا نشعر أن نقصنا لم ينتقص منا.

وأن حاجتنا لم تُسقط من قدرنا.

وأننا، رغم ضعفنا العابر، ما زلنا نستحق الاحترام.

فبعض الإحسان يمرّ كحادثة.

وبعضه يمرّ كنعمة.

أما أندر أنواع الإحسان...

فهو ذلك الذي يرمم قلبك في صمت، ثم يرحل دون أن يترك فيك إلا الامتنان.

وفي النهاية...

لا تحفظ القلوب أسماء الذين أعطوها أكثر مما تحفظ أسماء الذين لم يجرحوها وهي تأخذ.

فبعض الناس يمنحونك شيئًا من أيديهم...

وبعضهم يمنحونك نفسك من جديد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/22 الساعة 16:34