غرايبة يكتب: هل ستشهد المنطقة تبدلات وتحولات مثيرة؟

د. رحيل الغرايبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/20 الساعة 15:35
هناك فكرة كانت تلح علي عبر سؤال يروح ويغدو مع كل حدث في ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة وحليفتها من جهة؛ ومع إيران وحلفائها من الجهة الأخرى .. حتى جاءت مذكرة التفاهم التي تم الإعلان عنها بين الولايات المتحدة وإيران لتظهر بعض التنبؤات بوضوح اكثر ..

السؤال يقول : هل من الممكن أن تشهد المرحلة القريبة القادمة تغيرات كبيرة وتحولات مثيرة في العلاقات والتفاهمات بين الأطراف المتحاربة ؟ وهل من الممكن أن تنقلب العلاقة بين إيران والولايات المتحدة إلى تفاهم وتنسيق ظاهر ومعلن بدلا من علاقات القتال ومحاولة التصفية والتدمير والإفناء كما هدد ترامب أكثر من مرة ..؟!

قبل الإجابة على هذا التساؤل لا بد من التذكير ببعض الحقائق التي ربما ينعدم حولها الخلاف أو تقل مساحته على الأقل :

- أولا: السياسة ليس لها دين ولا مباديء ولا قيم ولا أخلاق ولا ثوابت في المدرسة الامريكية والغربية عموما وقوى أخرى كثيرة تحكم العالم الآن .. فهي تدور مع مصالحها الخاصة كما يراها قادتها وزعماؤها .. والقوة هي الأداة التي تحمي هذه المصلحة وتسحق الطرف الضعيف الذي لا يستحق الشفقة..! وحيث تنجح القوة لا يلتفت إلى غيرها .. كما اقدم ترامب على طلب التفاهم بعد ان أخذت القوة منتهاها .. أو ربما يستنتج انه كانت الرؤية بالتوقف عند هذا الحد ، والشروع في البحث عن تفاهم مدروس بحقق الغرض..!

- ثانيا : إيران أيضا تلعب سياسة وهي تريد أن تلاعب الأطراف القوية بنفس أدواتهم وآلياتهم .. وتريد أن تملك أوراق القوة المطلوبة التي تشكل لها حضورا يحترمه الأقوياء .. ولذلك قرأت المشهد واستطاعت أن تستغل الفراغ السياسي الكبير في المنطقة العربية التي تخلو من القوة المهيمنة او الرادعة ، وتخلو كذلك من مشروع سياسي عربي موحد .. وتمكنت عبر عقدين من الزمن أن تحقق حضورا منافسا ومقلقا لأطراف أخرى تريد السيطرة والهيمنة المنفردة على المنطقة أيضا ..

ثالثا : اعترفت الولايات المتحدة سابقا في زمن أوباما بالدور الإيراني وأطلقت يدها في عدة أقطار عربية مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن .. كما أن أوباما وقع إتفاقا نوويا مع إيران بالشراكة مع أوروبا سمح لإيران بامتلاك التقنية النووية السلمية .. ونلحظ أن ترامب صرح بأنه يبحث عن اتفاق يختلف عن إتفاق أوباما .. مما يشير إلى أن الاتفاق كان هدفا حقيقيا منذ البدء ، لكن مع إيران في حالة مهشمة ومقصقصة الأجنحة ..

ـ رابعا : استثمرت أمريكا بالدور الإيراني المتعاظم سابقا في المنطقة من أجل تصفية القوى العربية الرسمية والشعبية ، ومن أجل خلق بعبع للدول الخليجية للإرتماء في الحضن الأمريكي طلبا للحماية ، ومن أجل السماح ببناء القواعد العسكرية الأمريكية المشحونة بالسلاح الحديث المدفوع التكاليف من المال العربي ، بالإضافة إلى تسويغ الاستيلاء على النفط العربي ، ونهب المال العربي ...!!

خامسا : ما زالت الحاجة قائمة لهذا الدور ، وما زالت الحاجة قائمة إلى تقسيم العالم العربي والإسلامي وإثارة النزاعات والعداوات المذهبية والعرقية .. ولذلك كان المقصود إضعاف إيران وتجريدها من القوة الخطرة وبتر اذرعها من أجل إعادة التفاهم معها وفق اوضاع سياسية وعسكرية واقتصادية إيرانية ضعيفة ، وليس من حالة قوة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى بقاء الشعور بالتهديد والخوف من قبل العرب من خلال استمرار بقاء الفزاعة الإيرانية ..!!

بناء على هذه المقدمات تمت صياغة مذكرة التفاهم لمدة ستين يوما تفضي إلى إتفاق وتفاهم استراتيجي بعيد المدى يكون لإيران دور مختلف عما سبق ويتماشى مع المخطط الأمريكي بحيث لا تشكل خطراً على الكيان المحتل ومخططه في التوسع شمالا وشرقا ..

ولذلك يبدو أن هناك اتفاقاً غير معلن على ان تكون غزة خارج سياق التفاهم وكذلك اليمن وسوريا والعراق .. أما نقطة الخلاف التي بقيت عالقة هي لبنان ، فإيران مصرة على الاحتفاظ بنفوذها في لبنان.. وأما الكيان المحتل فما زال رافضا لهذا النفوذ ومعه أطراف عربية كثيرة ومنها الحكومة اللبنانية القائمة ..

أما الدول العربية في المجمل فهي المأدبة والمائدة ، ولم يتجاوز دورها عرائس الدمى ..حيث لا يؤخذ رأيهم لا في شاردة ولا واردة .. بل تملى عليهم الأوامر إملاء ..

هناك بوادر صحوة عربية إسلامية لم تتبلور بعد عبر التفكير بتشكيل تحالف سعودي تركي باكستاني يشكل نواة لقوة عربية واعدة اذا استطاع الزعماء أن يتجاوزوا البلطجة الامريكية الصهيو.نية التي لا تسمح بولادتها ابتداء ...

وينبغي أن نعلم يقينا نحن العرب المختلفين والمتوزعين بين طرفي الصراع أ نه لا طريق أمامنا سوى بلورة مشروع سياسي عربي إسلامي موحد له قوته الذاتية المستقلة .. وبغير ذلك فسنبقى لحوم أضاحي معدة للتوزيع .. وستبقى القوى السياسية تداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها .. كما اخبر الصادق المصدوق ..
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/20 الساعة 15:35