المظاهر الجوفاء.. خداع يستهوي الضعفاء

مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/19 الساعة 00:29
الحمد لله الذي جعل القلوب أوعية للإيمان، وجعل التقوى شرفاً للإنسان لا يبلغه مُتكبّر، ولا يناله مُدّعٍ بالزينة الكاذبة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ، الذي علّم البشرية أن العظمة ليست في الملبس ولا في المنظر، ولكن في صدق القلب ونقاء السريرة.

المظاهر… سرابٌ خادع

من طبيعة النفوس الضعيفة أن تُفتن ببريق المظاهر، وتُؤخذ بزخرف القول وزينة اللباس، وتظن أن الهيبة فيما يراه الناس، لا فيما يراه ربّ الناس. وهكذا تتكرّر المأساة عبر العصور: تُشيَّد القصور، وتُرصَّع التيجان، وتُلمَّع الكلمات، فإذا اقتربتَ من الباطن وجدتَ خواءً مخيفاً، كقصورٍ مهيبةٍ جدرانها خاوية.

إنها المظاهر الجوفاء… التي تُرينا الإنسان في صورةٍ مزدانة، لكنها صورة لا تعكس حقيقةً، بل تموّه على فراغ داخلي لا يسنده إيمان ولا يعضده خلق.

إن المصيبة ليست في جمال المظهر وزينته، فإن الله جميل يحب الجمال، وقد قال في كتابه الكريم: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف، من الآية: 31]، ولكن في أن يُتَّخذ المظهر قِناعاً يخفي خواء الباطن، ويستبدل الجوهر بالطلاء. ومن المعلوم عند جميع العقلاء أن المظاهر الجوفاء لا تجلب السعادة، وإن جلبت مدح الناس حينا فإنها لا تستديم رضاهم، ورضا الناس غاية لا تدرك، كما أن المدح لا يبني مجدا ولا قصورا، ولا يرفع وضيعا.

بين ميزان السماء وميزان الأرض

لقد صحح الوحي الإلهي الموازين، فقوم المعايير المعوجة، ونبّه الناس أن التفاضل لا يقوم على ثياب ولا ألقاب، وإنما على تقوى القلوب وصدق الأعمال. قال تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

وفي الحديث الصحيح: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" [رواه مسلم].فما أبلغ هذا التوجيه! وما أحرانا أن نقف عنده طويلاً!.

قال سهل بن سعد رضي الله عنه: مَرَّ رَجُلٌ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: "ما تَقُولونَ في هذا؟" قالوا: حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ يُسْتَمَعَ، قالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِن فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: "ما تَقُولونَ في هذا؟" قالوا: حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشَفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْتَمَعَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "هذا خَيْرٌ مِن مِلْءِ الأرْضِ مِثْلَ هذا". (البخاري).

لقد اعتاد الناس أن يرفعوا المرء بماله وجاهه وزينته، أما عند الله فلا قيمة إلا لما يحمله قلبه من خشية، ولسانه من صدق، وجوارحه من عمل.

سراب الحضارة الزائفة

كم من أممٍ لبست حُللاً من حضارةٍ زائفة، وبنت لنفسها هياكل ضخمة من شعارات وبهرج، ثم ما لبثت أن انهارت كبيتٍ من ورق، لأنها لم تضع أساسها على تقوى من الله ورضوان. وما الفرد إلا صورة مصغَّرة من الأمة: قد يُزيّن المرء وجهه، ويُشيّد بيته، ويركب أفخر مركب، لكنه إذا خلا إلى نفسه وجد قلبه عارياً من السكينة، خاوي الوفاض من الصدق.

زينة الباطن أثبت وأبقى

إن جمال الثياب يَبلَى، وحُسن الصورة يذبل، لكن جمال القلب لا يزول، وزينة السريرة لا تفنى. قال محمد بن واسع -رحمه الله-: (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله له دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس). وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر).

فالصدق يكسو صاحبه مهابةً لا تُشترى، والإخلاص يُسبغ على صاحبه وقاراً لا يُستعار. ومن ذاق حلاوة الطمأنينة في قلبه لم يُفتن ببريقٍ زائل ولا بمظهرٍ خادع.

دعوة إلى مراجعة الذات

يحتاج كلٌّ منا أن يُراجع نفسه، ونحتاج جميعا أن نتساءل: هل نحرص على تهذيب قلوبنا كما نحرص على تلميع صورنا؟ هل نُقدّم إصلاح الباطن كما نقدّم تحسين الظاهر؟

إن الله سبحانه لا يُخدع بالمظاهر، ولا تُنال مرضاته بالزينة المصطنعة. إنما ينظر إلى القلب؛ فإن كان قلباً عامراً بالإيمان، صادقاً في التوجّه، رقيقاً بذكر الله، ارتفعت به الدرجات وإن كان صاحبه في أعين الناس متواضع الهيئة.

ومما ينبغي أن يُعلم أنه كلما ارتقت المجتمعات، وتفتحت العقول، واتسعت المدارك، واستنارت القلوب بنور البصيرة والإيمان كلما اهتم أبناء تلك المجتمعات بعمارة قلوبهم وجوارحهم بالتقوى والعمل الصالح، وكلما قل الانخداع بتلك المظاهر الفارغة وزينة الدنيا الزائلة.

ويا لَخسارة من استبدل الجوهر بالطلاء، والصدق بالادعاء، والحقائق بالأغلفة! ويا لفوز من زان قلبه بالتقوى، ونفسه بالورع، وسيرته بالصدق والإخلاص!.

نسأل الله تعالى أن يمن علينا بقلوب سليمة نلقاه بها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/19 الساعة 00:29