تفكيك العلاقة الإسرائيلية الغربية.. بطَّاح يكتب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/18 الساعة 11:05
كثيرون في العالم العربي ينظرون إلى العلاقة الإسرائيلية الغربية على أنها علاقة عضوية ويعتبرون أن إسرائيل هي "مخفر" متقدم للمصالح الغربية في المنطقة العربية، وهناك آخرون ينظرون إلى إسرائيل على أنها دولة "مستقلة" تتلقى دعماً كبيراً من الغرب لكنها تستطيع أن تعيش بدونه كدولة متقدمة صناعياً وتكنولوجياً، والواقع أنّ هذا الجدال حول ما هية دولة إسرائيل وعلاقتها بالغرب كان مدار نقاش حتى في إسرائيل نفسها، فقد قال مناحيم بيغن الزعيم التاريخي لليمين الإسرائيلي محتجاً على التدخل الأمريكي ذات يوم "نحن لسنا جمهورية موز"، والمعارضة الإسرائيلية الحالية بزعامة "يائير لبيد" تعتبر نتنياهو تابعاً لترامب، وأنه فرّط َباستقلالية إسرائيل ووضعيتها كدولة لها مصالحها الخاصة بها والتي قد لا تلتقي مع مصالح الغرب والولايات المتحدة زعيمته حالياً.
إنّ تفكيك العلاقة بين إسرائيل والغرب تقتضي منّا أن نعود إلى الوراء لكي نستذكر ما يلي:
أولاً: أنّ بريطانيا الدولة الغربية الاستعمارية هي التي أعطت وعد "بلفور" لليهود (1917) لكي يقيموا لهم دولة في فلسطين، وهي التي حصلت على وضعية "الدولة المُنتدبة" على فلسطين من عصبة الأمم التي كانت تسيطر عليها القوى الغربية آنذاك لكي تمهد لإقامة الدولة اليهودية من خلال السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقمع الفلسطينيين (وبخاصة أثناء ثورة 1936)، وتهيئة الرأي العام العالمي لقيام الدولة الإسرائيلية في عام 1948، حيث كانت الولايات المتحدة هي أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل.
ثانياً: أنّ فرنسا الدولة الغربية الاستعمارية هي التي ساعدت إسرائيل في ستينيات القرن الماضي على امتلاك السلاح النووي من خلال إقامة مفاعل "ديمونا"، وما زالت فرنسا وجميع الدول الغربية تغض النظر عن القدرات الذرية الإسرائيلية وتقبل بتستر إسرائيل على حيازتها ما لا يقل عن (200) رأس نووي رغم أنها لا تعترف رسمياً بهذه الحيازة، وفضلاً عن ذلك فإنّ الدول الغربية تحرص كل الحرص على إبقاء احتكار إسرائيل للسلاح النووي في الشرق الأوسط قائماً.
ثالثاً: أنّ الولايات المتحدة التي ورثت النفوذ الاستعماري الإمبراطوري لكل من بريطانيا وفرنسا تآمرت مع إسرائيل في عام 1967 لضرب المشروع القومي العربي، ومكنتها من احتلال أراضٍ من مصر وسوريا فضلاً عمّا تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وغزة) والتي كانت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك.
رابعاً: أنّ الولايات المتحدة هي التي أجهضت النصر العربي على إسرائيل في عام 1973 والذي ظهر في بداية الحرب حيث تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف واستطاعت القوات السورية اجتياز الدفاعات الإسرائيلية وذلك حين زودت الولايات المتحدة إسرائيل بالأسلحة في موقع المعركة مباشرةً، كما قدمت إليها الصور والمعلومات التي مكنتها من إحداث "ثغرة الدفرسوار" ومحاصرة الجيش المصري الثالث.
خامساً: أنّ الولايات المتحدة هي التي "هندست" معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1979، حيث أخرجت هذه المعاهدة مصر وهي أكبر قوة عربية فعلياً من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، ومكنت إسرائيل من التفرغ لبقية الجبهات حيث غزت بيروت في عام 1982، وعربدت في بقية الجبهات العربية منذ ذلك الحين.
سادساً: أنّ الولايات المتحدة -ومن ورائها معظم الدول الغربية- قدمت مساعدة هائلة: عسكرية، واقتصادية، وسياسية لإسرائيل، بعد السابع من أكتوبر، وبرغم أنّ إسرائيل ارتكبت "إبادة جماعية" مشهودة في قطاع غزة إلّا أنّ الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية (وبالذات ألمانيا) استمرت في دعم إسرائيل على كافة الصُعد.
ولكن... هل شهدت هذه العلاقة العضوية التاريخية بين الدول الغربية وإسرائيل متغيرات قد تؤدي مستقبلاً إلى تزعزعها وبخاصة بعد السابع من أكتوبر؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال نعم ولكن بما لا يؤدي إلى انفكاك الحلف الغربي الإسرائيلي وتنصل الدول الغربية مما تعتبره "مسؤولياتها" إزاء أمن إسرائيل.
إنّ الإبادة الجماعية التي قارفتها إسرائيل في قطاع غزة وما يقوم به المستوطنون المتطرفون في الضفة الغربية من اعتداءات على حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم أدى إلى نوع من "صحوة الضمير" لدى الفئات الشبابية الأمريكية والغربية بشكل عام، وقد دلّ على ذلك بوضوح مظاهرات الطلبة في جامعات النُخبة الأمريكية (هارفارد، كولومبيا) والأوروبية (السوربون، اكسفورد)...، وكذلك المظاهرات المليونية التي شهدتها عواصم الغرب ومدنه الكبرى كـلندن، وباريس، ومدريد وغيرها. إنّ هذا مهم وقد يكون له ما بعده استراتيجياً ولو أن تأثيره الحالي المُنتظر ليس كبيراً بحكم أنّ "الدولة العميقة" في الدول الغربية ما زالت هي المهيمنة وسوف تظل كذلك إلى ما بعد جيلين على الأقل.
وأخيراً، فإنّ ما يجب أن ندركه في سياق تفكيك العلاقة الإسرائيلية الغربية هو أن الغرب تبنى إسرائيل وما زال وسيبقى على الأرجح لأسباب كثيرة ليست "مصلحية" فقط، بل ثقافية، ودينية، وحضارية، وعنصرية أيضاً، وإذا أخذنا هذه الأبعاد جميعاً فإننا يجب ألّا نستغرب نظرة بعض المؤرخين والمثقفين (ومنهم غربيون طبعاً) إلى الصراع العربي الإسرائيلي على أنه مرحلة جديدة من مراحل الحروب الصليبية التي حدثت قبل ألف عام تقريباً حيث أراد "الغرب" الهيمنة على المنطقة ولكنه هُزم في النهاية على يد أبنائها.
إنّ تفكيك العلاقة بين إسرائيل والغرب تقتضي منّا أن نعود إلى الوراء لكي نستذكر ما يلي:
أولاً: أنّ بريطانيا الدولة الغربية الاستعمارية هي التي أعطت وعد "بلفور" لليهود (1917) لكي يقيموا لهم دولة في فلسطين، وهي التي حصلت على وضعية "الدولة المُنتدبة" على فلسطين من عصبة الأمم التي كانت تسيطر عليها القوى الغربية آنذاك لكي تمهد لإقامة الدولة اليهودية من خلال السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقمع الفلسطينيين (وبخاصة أثناء ثورة 1936)، وتهيئة الرأي العام العالمي لقيام الدولة الإسرائيلية في عام 1948، حيث كانت الولايات المتحدة هي أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل.
ثانياً: أنّ فرنسا الدولة الغربية الاستعمارية هي التي ساعدت إسرائيل في ستينيات القرن الماضي على امتلاك السلاح النووي من خلال إقامة مفاعل "ديمونا"، وما زالت فرنسا وجميع الدول الغربية تغض النظر عن القدرات الذرية الإسرائيلية وتقبل بتستر إسرائيل على حيازتها ما لا يقل عن (200) رأس نووي رغم أنها لا تعترف رسمياً بهذه الحيازة، وفضلاً عن ذلك فإنّ الدول الغربية تحرص كل الحرص على إبقاء احتكار إسرائيل للسلاح النووي في الشرق الأوسط قائماً.
ثالثاً: أنّ الولايات المتحدة التي ورثت النفوذ الاستعماري الإمبراطوري لكل من بريطانيا وفرنسا تآمرت مع إسرائيل في عام 1967 لضرب المشروع القومي العربي، ومكنتها من احتلال أراضٍ من مصر وسوريا فضلاً عمّا تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وغزة) والتي كانت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك.
رابعاً: أنّ الولايات المتحدة هي التي أجهضت النصر العربي على إسرائيل في عام 1973 والذي ظهر في بداية الحرب حيث تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف واستطاعت القوات السورية اجتياز الدفاعات الإسرائيلية وذلك حين زودت الولايات المتحدة إسرائيل بالأسلحة في موقع المعركة مباشرةً، كما قدمت إليها الصور والمعلومات التي مكنتها من إحداث "ثغرة الدفرسوار" ومحاصرة الجيش المصري الثالث.
خامساً: أنّ الولايات المتحدة هي التي "هندست" معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1979، حيث أخرجت هذه المعاهدة مصر وهي أكبر قوة عربية فعلياً من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، ومكنت إسرائيل من التفرغ لبقية الجبهات حيث غزت بيروت في عام 1982، وعربدت في بقية الجبهات العربية منذ ذلك الحين.
سادساً: أنّ الولايات المتحدة -ومن ورائها معظم الدول الغربية- قدمت مساعدة هائلة: عسكرية، واقتصادية، وسياسية لإسرائيل، بعد السابع من أكتوبر، وبرغم أنّ إسرائيل ارتكبت "إبادة جماعية" مشهودة في قطاع غزة إلّا أنّ الولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية (وبالذات ألمانيا) استمرت في دعم إسرائيل على كافة الصُعد.
ولكن... هل شهدت هذه العلاقة العضوية التاريخية بين الدول الغربية وإسرائيل متغيرات قد تؤدي مستقبلاً إلى تزعزعها وبخاصة بعد السابع من أكتوبر؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال نعم ولكن بما لا يؤدي إلى انفكاك الحلف الغربي الإسرائيلي وتنصل الدول الغربية مما تعتبره "مسؤولياتها" إزاء أمن إسرائيل.
إنّ الإبادة الجماعية التي قارفتها إسرائيل في قطاع غزة وما يقوم به المستوطنون المتطرفون في الضفة الغربية من اعتداءات على حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم أدى إلى نوع من "صحوة الضمير" لدى الفئات الشبابية الأمريكية والغربية بشكل عام، وقد دلّ على ذلك بوضوح مظاهرات الطلبة في جامعات النُخبة الأمريكية (هارفارد، كولومبيا) والأوروبية (السوربون، اكسفورد)...، وكذلك المظاهرات المليونية التي شهدتها عواصم الغرب ومدنه الكبرى كـلندن، وباريس، ومدريد وغيرها. إنّ هذا مهم وقد يكون له ما بعده استراتيجياً ولو أن تأثيره الحالي المُنتظر ليس كبيراً بحكم أنّ "الدولة العميقة" في الدول الغربية ما زالت هي المهيمنة وسوف تظل كذلك إلى ما بعد جيلين على الأقل.
وأخيراً، فإنّ ما يجب أن ندركه في سياق تفكيك العلاقة الإسرائيلية الغربية هو أن الغرب تبنى إسرائيل وما زال وسيبقى على الأرجح لأسباب كثيرة ليست "مصلحية" فقط، بل ثقافية، ودينية، وحضارية، وعنصرية أيضاً، وإذا أخذنا هذه الأبعاد جميعاً فإننا يجب ألّا نستغرب نظرة بعض المؤرخين والمثقفين (ومنهم غربيون طبعاً) إلى الصراع العربي الإسرائيلي على أنه مرحلة جديدة من مراحل الحروب الصليبية التي حدثت قبل ألف عام تقريباً حيث أراد "الغرب" الهيمنة على المنطقة ولكنه هُزم في النهاية على يد أبنائها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/18 الساعة 11:05