قاضي القضاة يكتب: الهجرة النبوية.. حين تصنع القيم نهضة الأمم

د. عبد الحافظ الربطة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/15 الساعة 11:46
يستقبل المسلمون عامًا هجريًا جديدًا، فتتجدد في النفوس معاني الإيمان، وتشرق في القلوب ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، واحدة من أعظم المحطات في تاريخ الإسلام، والتي شكلت تحولًا حضاريًا عظيمًا غيّر مجرى التاريخ، وأرسى حضارة إنسانية وأمة حملت رسالة الخير والعدل والرحمة إلى العالمين.

إن الهجرة النبوية تمثل بداية مرحلة جديدة من بناء المجتمع والدولة، وتجسد معاني التضحية والصبر والثبات والتوكل على الله سبحانه وتعالى؛ فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من أحب البلاد إلى قلبه امتثالًا لأمر الله تعالى، مؤمنًا بوعده، آخذًا بالأسباب، وموقنًا بأن العاقبة للمتقين، وقد خلّد القرآن الكريم هذا المشهد العظيم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة ٤٠].

وتعلمنا الهجرة أن الإيمان ليس كلمات تقال، وإنما عمل وصبر وتضحية، وأن النجاح لا يتحقق بالأماني، بل ببذل الجهد وحسن التخطيط مع صدق التوكل على الله عز وجل؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، أعدّ للهجرة إعدادًا دقيقًا، واختار الرفيق والدليل والطريق، وقدم درسًا خالدًا للأمة في الجمع بين الأخذ بالأسباب والثقة بالله تعالى. وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الثقة المطلقة بربه حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

ولعل من أعظم العبر التي تجسدها الهجرة النبوية أن التغيير الذي يريده الله للإنسان يبدأ من أعماق النفس قبل أن يظهر في واقع الحياة؛ فالهجرة كانت انتقالًا من مرحلة التلقي إلى مرحلة المسؤولية، ومن الإيمان الفردي إلى بناء المجتمع، ومن الصبر على الأذى إلى العمل لإقامة قيم العدل والرحمة والخير. ومن هنا نجد أن الهجرة فلسفة حياة، ومنهج متجدد يهدي العالم إلى أن الإصلاح يبدأ من النفس، وأن الطريق إلى النهضة يمر أولًا عبر بناء النفس وتقويم سلوكها وارتباطها بخالقها سبحانه وتعالى. ولهذا وسّع النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الهجرة لتبقى حية في ضمير الأمة إلى قيام الساعة، فقال: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

لقد جسدت الهجرة النبوية الشريفة أن سنن الله في الكون لا تتبدل، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن المنحة تخرج من قلب المحنة؛ فعندما اشتد أذى المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كان الله سبحانه وتعالى يعد لهم مرحلة جديدة من العزة والتمكين. وهكذا يعلمنا القرآن الكريم أن المؤمن لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا، وأن ثقته بالله لا تهتز أمام الابتلاءات مهما عظمت، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا، إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح 5-6].

وإذا كانت الهجرة النبوية قد علمت العالم كيف يبنى الإنسان، فإنها علمته أيضًا كيف تبنى المجتمعات وتنهض الأمم؛ فقد قامت الدولة في المدينة على أسس العدل والتكافل والاحترام المتبادل وصون الحقوق وتحمل المسؤولية، وتجسدت هذه القيم في وثيقة المدينة المنورة التي تعد من أقدم الوثائق الدستورية في تاريخ الجزيرة العربية، إذ أرست قواعد التعايش والتنظيم المجتمعي وحددت الحقوق والواجبات بين مكونات المجتمع، وهي قيم ما تزال تشكل حتى يومنا هذا الأساس الحقيقي لاستقرار المجتمعات وقوة الدول وازدهارها. ومن هنا فإن استحضار معاني الهجرة في واقعنا المعاصر يمتد إلى استلهام قيمها في ترسيخ سيادة القانون، وحماية الحقوق، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، وبناء الإنسان القادر على الإسهام في نهضة وطنه وخدمة أمته.

وفي زماننا الذي تتكاثر فيه التحديات الفكرية والأخلاقية والاجتماعية، فإن الأمة أحوج ما تكون إلى استحضار فقه الهجرة لا مجرد ذكراها؛ فنحن بحاجة إلى هجرة من التعصب إلى الاعتدال، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة العمل والإنتاج، ومن الانشغال بعيوب الآخرين إلى إصلاح النفس وبناء المجتمع. فالأمم تنهض حين تتحول القيم إلى سلوك، والمبادئ إلى عمل، والإيمان إلى مسؤولية.

إن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن قوة المجتمعات لا تقوم إلا على منظومة متكاملة من قيم العدل والمسؤولية والتكافل، وهي المعاني التي تشكل اليوم أساس الاستقرار والتنمية، وتؤكد أن حماية الأسرة، وصون الحقوق، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز روح الانتماء والمواطنة الصالحة، تمثل جميعها امتدادًا عمليًّا لرسالة الإسلام في عمارة الأرض وتحقيق الخير للناس.

وقد استطاع الأردن، بفضل تمسكه بقيم الاعتدال والوسطية والتسامح التي جاءت بها رسالة الإسلام، وبفضل قيادته الهاشمية الحكيمة، أن يقدم نموذجًا في الموازنة بين الأصالة والمعاصرة، وفي ترسيخ الأمن والاستقرار وتعظيم قيمة الإنسان وسيادة القانون، بما يعكس جوهر الرسالة الحضارية التي حملتها الهجرة النبوية للأمة عبر العصور.

ومع إشراقة عام هجري جديد، تتجدد الحاجة إلى استحضار المعنى العميق للهجرة النبوية بوصفها مشروعًا دائمًا للتغيير والبناء، لا يرتبط بزمن أو مكان، بل يمتد ليشكل منهجًا في صناعة الإنسان وإصلاح العمران؛ فالهجرة في جوهرها انتقال من ضيق الرؤية إلى سعة البصيرة، ومن التردد إلى اليقين، ومن الانفعال إلى الوعي، ومن الفردية إلى المسؤولية الجماعية. وهي دعوة متجددة لأن يهاجر الإنسان من مواطن الضعف إلى ميادين القوة، ومن أسر العادات السلبية إلى فضاءات القيم الرفيعة، ومن الانشغال بذاته إلى الإسهام في خدمة مجتمعه وأمته.

ومن هذا المنطلق، فإن استقبال العام الهجري الجديد ينبغي أن يكون مناسبة للتأمل في مسار الإنسان ومراجعته لذاته ورسالته ودوره في الحياة؛ فالأعمار لا تقاس بطول السنين، وإنما بما تحققه من أثر، وما تتركه من خير، وما تسهم به في بناء الإنسان والمجتمع. وهكذا تبقى الهجرة النبوية مدرسة خالدة تعلم الأفراد والأمم أن نهضة المجتمعات لا تنشأ إلا حين تتحول القيم إلى سلوك، والإيمان إلى عمل، والرؤية إلى مشروع حضاري يصنع المستقبل.

أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام الهجري عام خير وبركة وأمن واستقرار على وطننا العزيز في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، وأن يحفظ الأردن وشعبه، وأن يوفق الأمتين العربية والإسلامية لكل خير، وأن يجعل أيامنا عامرة بالطاعة والإحسان والعمل الصالح.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/15 الساعة 11:46