المعايعة يكتب: من المدرج الجامعي إلى الحياة السياسية.. هل بدأ الحصاد؟

د.يزن ياسين المعايعة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/11 الساعة 21:26
عندما أُطلقت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية عام 2021، لم يكن الهدف مجرد تعديل قوانين أو إعادة رسم مشهد انتخابي جديد، بل كان المشروع في جوهره محاولة وطنية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة وبين الشباب ومؤسسات الدولة وبين الأجيال الصاعدة وصناعة القرار.

كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الرهان الأكبر في مشروع التحديث السياسي لم يكن على النصوص القانونية بقدر ما كان على الإنسان الأردني نفسه، وتحديداً على فئة الشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع والأكثر قدرة على التأثير في مستقبل الدولة ومسارها الديمقراطي.

خمسة أعوام مضت على انطلاق هذا المشروع الوطني، وأصبح من المشروع اليوم أن نتساءل أين تقف الجامعات الأردنية من هذه الرؤية؟ وهل نجحت في أن تكون الحاضنة الأولى لمخرجات التحديث السياسي؟

الحقيقة أن الجامعات كانت ولا تزال الساحة الأكثر أهمية في اختبار نجاح مشروع التحديث السياسي، فمن داخل أسوارها تتشكل الأفكار وتتبلور القناعات، وتنشأ القيادات التي ستتولى مستقبلاً مواقع المسؤولية في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولعل من أبرز التحولات التي شهدتها الجامعات خلال السنوات الماضية ذلك الحضور المتزايد للوعي السياسي والحزبي بين الطلبة بعد أن أصبحت المشاركة السياسية جزءاً من النقاش اليومي داخل الحرم الجامعي.

لم يعد الحديث عن الأحزاب أمراً هامشياً أو محصوراً في النخب السياسية، بل أصبح جزءاً من اهتمامات شريحة واسعة من الشباب الذين وجدوا في مشروع التحديث السياسي فرصة حقيقية للانخراط في العمل العام، لقد أدركت الدولة الأردنية أن بناء حياة حزبية قوية لا يمكن أن يبدأ من الانتخابات النيابية فقط، بل يجب أن يبدأ من الجامعات فالشباب الذين يُطلب منهم غداً أن يختاروا ممثليهم في البرلمان أو أن ينضموا إلى الأحزاب السياسية، هم أنفسهم الطلبة الذين يجلسون اليوم على مقاعد الدراسة.

ومن هنا جاءت أهمية إدخال ثقافة العمل الحزبي إلى الجامعات، ليس بوصفها نشاطاً سياسياً عابراً، وإنما باعتبارها جزءاً من عملية إعداد جيل يؤمن بالمشاركة والمسؤولية والعمل المؤسسي فالحزب السياسي في نهاية المطاف ليس مجرد لافتة أو تنظيم، بل مدرسة في الحوار وإدارة الاختلاف وصياغة البرامج الوطنية.

وفي هذا الإطار لعبت البرلمانات الطلابية ومجالس الطلبة دوراً مهماً في تجسيد أهداف التحديث السياسي على أرض الواقع، فهذه التجارب وفرت للطلبة فرصة عملية لفهم معنى الانتخابات والتمثيل الديمقراطي والعمل الجماعي وأسهمت في بناء ثقافة سياسية قائمة على التنافس البرامجي بدلاً من الاعتبارات الشخصية أو الفئوية.

فالطالب الذي يخوض تجربة انتخابية داخل جامعته ويعد برنامجاً انتخابياً ويتواصل مع زملائه ويمارس دوره الرقابي والتمثيلي، يكتسب مهارات سياسية لا يمكن أن توفرها الكتب أو المحاضرات وحدها بل إنه يتعلم كيف يستمع، وكيف يحاور، وكيف يختلف، وكيف يقنع، وهي ذات المهارات التي تحتاجها الحياة البرلمانية والحزبية في المستقبل ومع ذلك، فإن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد الأنشطة أو الفعاليات التي أقيمت خلال السنوات الماضية، وإنما بمدى تحول المشاركة السياسية إلى ثقافة راسخة لدى الشباب، فالتحديث السياسي ليس مشروعاً مؤقتاً يرتبط بمرحلة زمنية محددة، بل مسار وطني طويل يحتاج إلى تراكم الخبرات وبناء الثقة وتعزيز الإيمان بأهمية العمل العام.

لقد أرادت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية أن تضع الأردن على طريق حياة سياسية أكثر نضجاً، وأن تفتح المجال أمام الشباب ليكونوا شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل وبعد خمسة أعوام من انطلاق هذا المشروع تبدو الجامعات الأردنية اليوم أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في استكمال هذا الدور وتعميقه، من خلال توفير بيئة تحفز على الحوار والتفكير والمبادرة والمشاركة.

إن الطريق نحو برلمانات قوية وأحزاب برامجية فاعلة لا يبدأ تحت قبة البرلمان، بل يبدأ في الجامعات وهناك في قاعات الدراسة والمدرجات والبرلمانات الطلابية، تتشكل ملامح الجيل الذي سيقود الحياة السياسية الأردنية خلال السنوات المقبلة.

ولهذا فإن نجاح التحديث السياسي في مرحلته المقبلة سيقاس بمدى قدرتنا على تحويل الجامعات إلى منصات حقيقية لإنتاج القيادات الوطنية، وإلى فضاءات تُمكّن الشباب من ممارسة دورهم السياسي بوعي ومسؤولية فالمستقبل الذي حلمت به اللجنة الملكية عام 2021 لا يُبنى بالقوانين وحدها، وإنما يُبنى بعقول الشباب وإيمانهم بأن المشاركة السياسية ليست خياراً ثانوياً بل واجباً وطنياً ومسؤولية تجاه الأردن ومستقبله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/11 الساعة 21:26