المعاقبة يكتب: المعادلة الأردنية في الربيع العربي.. القيادة والدولة والوعي الشعب

د. محمد المعاقبة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/11 الساعة 18:54
حين يكتب تاريخ الأردن في مواجهة رياح الربيع العربي ، لا يجوز أن نرجع الفضل لتفسير واحد، ولا أن نختزل تجربة وطن كامل في مقولة منمقة تبعد الحقيقة عن موقعها . القول إن مكوناً من مكونات المجتمع الأردني هو وحده من منع انزلاق الدولة ، كلم بعيد عن الواقع ، ويسقط عوامل الحسم التي صنعت الفارق .

لقد كانت حكمة القيادة وقدرة مؤسسات الدولة السيادية العامل الحاسم الذي جنب الأردن منزلق الفوضى لم يكن شعاراً ولا عاطفة ، بل قرار سياسي واع اتخذه رأس الدولة مبكرا . منذ اللحظة الأولى ، أدركت القيادة الهاشمية طبيعة المرحلة ، فبادرت إلى الإصلاح قبل أن يفرض عليها ، وفتحت أبواب الحوار ، وعدلت الدستور ، واعادت تشكيل الحكومات استجابة لصوت الشارع .

وإلى جانب القرار السياسي، وقفت مؤسسات الدولة السيادية الأمنية والعسكرية والإدارية باحترافية عالية . ضبطت الشارع دون قمع ، وحمت السلم الأهلي دون تفريط، وأثبتت أن هيبة الدولة ليست ضد الشعب ، بل هي الضمانة الوحيدة لاستقراره . هذه المعادلة إصلاح بلا فوضى ، وحزم بلا إقصاء هي المعادلة التي حفظت الأردن .

الشعب الأردني لم يخرج يوما رفضا للشرعية أو إنكارا لهوية الدولة . خرج الأردنيون ، بمختلف أطيافهم ، يطالبون بما يستحقون : حكومة تعبر عن إرادتهم تعبيراً حقياً، محاربة فساد أثقل كاهلهم، وسياسات اقتصادية تراعي كرامتهم المعيشية .

كانت الاحتجاجات رسالة وطنية واضحة نريد الإصلاح لا الهدم ، نريد التعديل لا الإلغاء . هذا الوعي الشعبي الذي فرّق بين نقد الأداء والمساس بالثوابت ، هو ما منح الدولة مساحة للمناورة والإصلاح دون أن تنزلق البلاد إلى مربع الصراع على الشرعية.

تجربة الأردن تؤكد أن الاستقرار لا يصنع بشعار، ولا يحفظ بمكون واحد. الاستقرار معادلة متكاملة: قيادة تمتلك رؤية وبعد نظر ، ومؤسسات سيادية قادرة وحازمة ، وشعب واع يعرف الفرق بين المطالبة بالحق والحفاظ على الوطن .

من يريد قراءة التجربة الأردنية قراءة صحيحة، فعليه أن يضع "حكمة القيادة وقدرة الدولة ووعي الشعب في سطر واحد، وبنفس حجم الحروف . فالأوطان لا تبنى بالمجاملات التاريخية ، بل بالحقائق المجردة والمواقف المسؤولة .

والأردن، بفضل الله ثم بفضل هذه المعادلة، بقي واحة أمن وأمان .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/11 الساعة 18:54