الدويري يكتب: من أبهى لحظات العطاء المهني أن ترى ثمرة جهدك ما تزال تنبض نجاحاً بعد سنوات

الاستاذ الدكتور زياد نواف الدويري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 20:50
قبل خمسة أعوام راجعني مريض بحالة شكلت تحدياً حقيقياً؛ فضمور العظم وضعف الانسجام التشريحي والوظيفي لم يكونا من الظروف المثالية لصناعة طقم أسنان متحرك يحقق الثبات والراحة والجمال الطبيعي. ورغم أن الزرعات السنية كانت خياراً علاجياً مطروحاً، فإن رغبة المريض وظروفه المادية جعلت الطقم المتحرك هو الخيار الأنسب.

كان التحدي أن نصنع تعويضاً لا يعوض الأسنان فحسب، بل يعيد الثقة والطمأنينة، ويمنح ابتسامة تنسجم مع ملامح الوجه انسجاماً يجعلها أقرب إلى الطبيعة منها إلى التعويض.

واليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات، عاد المريض للمراجعة حاملاً كلمات امتنان كان لها وقع خاص في نفسي. والأجمل من ذلك أنه أخبرني أن أحداً لم يدرك حتى الآن أنه يرتدي طقماً متحركاً، سوى أفراد أسرته المقربين. عندها أدركت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما نراه نحن الأطباء فقط، بل بما يعيشه المريض من راحة وثقة وقبول في حياته اليومية.

إن جمال التركيبات السنية لا يكمن في تعويض الأسنان المفقودة فحسب، بل في قدرتها على محاكاة الطبيعة إلى درجة تختفي معها حدود التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مصنوع. وهنا يلتقي العلم بالفن، والخبرة بالدقة، ليولد عمل يعيد للإنسان جزءاً من ذاته قبل أن يعيد إليه أسنانه.

وتبقى مثل هذه المواقف شاهداً على حقيقة راسخة؛ أن نجاح العلاج لا تصنعه كلفة الخطة العلاجية أو حداثة التقنية وحدهما، بل يصنعه التشخيص السليم، والتخطيط الدقيق، والإتقان في التنفيذ، والقدرة على اختيار الحل الأنسب لكل مريض وفق ظروفه واحتياجاته. فجوهر طب الأسنان ليس في تعويض سنٍ مفقود، بل في إعادة الثقة إلى صاحبها، ورسم ابتسامة صادقة تستمر في أداء رسالتها عاماً بعد عام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 20:50