شطناوي يكتب: يبقى الوطن ويرحل الجميع
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/07 الساعة 12:18
ثمة فرق دقيق بين الانتماء إلى الوطن والانتماء إلى الموقع. وقد يبدو هذا الفرق واضحاً في ظاهره، إلا أن التجارب الإنسانية والإدارية تكشف أن التمييز بينهما ليس دائماً بالبساطة التي نتصورها. فالمنصب، مهما علا شأنه، يظل مرحلة في مسيرة الإنسان، أما الوطن فهو الإطار الأوسع الذي يمنح تلك المراحل معناها وقيمتها. ومن هنا، فإن العلاقة السوية مع الشأن العام لا تُقاس بما يقدمه المرء أثناء وجوده في موقع المسؤولية فحسب، بل بما يبقى من موقفه بعد أن يغادر ذلك الموقع.
كثيرون أحسنوا العطاء وهم في مواقعهم، وأسهموا في البناء واتخاذ القرار وخدمة مؤسساتهم ومجتمعاتهم، غير أن الاختبار الحقيقي للوعي الوطني يبدأ غالباً عند انتهاء تلك المرحلة. ففي تلك اللحظة تحديداً تتكشف طبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان بموقعه؛ هل كانت علاقة خدمة ورسالة، أم علاقة مكانة وحضور؟
ذلك أن بعض الأشخاص يغادرون مواقعهم وهم أكثر اتزاناً ونضجاً، فينظرون إلى مؤسسات الدولة باعتبارها كيانات مستمرة تتجاوز الأشخاص والأجيال، ويدركون أن ما أسهموا فيه ليس ملكاً شخصياً لهم، بل لبنة في بناء وطني تراكمي شارك فيه من سبقهم وسيشارك فيه من يأتي بعدهم. في المقابل، نجد أحياناً من تتبدل رؤيتهم للمشهد العام بعد مغادرة المنصب. فالأداء الذي كان مقبولاً يصبح موضع انتقاد دائم، والقرارات التي كانت تُفهم في سياقها الإداري والسياسي تصبح أدلة على الخلل، والمؤسسات التي كانت محل إشادة تتحول فجأة إلى موضوع للتشكيك المستمر.
ولا يتعلق الأمر هنا بحق النقد، فالنقد الواعي والمسؤول ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطور، بل إن المؤسسات الرصينة لا تخشى المراجعة ولا تضيق بالرأي الآخر. غير أن ثمة فارقاً بين النقد الذي ينطلق من الحرص على المصلحة العامة، والنقد الذي يتحول إلى رد فعل نفسي تجاه فقدان الموقع أو تراجع الحضور: فالأول يبحث عن الحلول ويقدم البدائل ويسعى إلى التصويب، أما الثاني فيتوقف غالباً عند توصيف المشكلات وتضخيمها، لأن غايته ليست الإصلاح بقدر ما هي التعبير عن حالة من عدم الرضا.
ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي أن نفرق بين معارضة السياسات ومعارضة الدولة، وبين الاختلاف مع بعض القرارات والتشكيك بالمؤسسات. فالدول الراسخة لا تقوم على الأشخاص مهما كانت أدوارهم، وإنما تقوم على مؤسسات تستمد قوتها من استمراريتها وقدرتها على التجدد.
إن المسؤولية العامة ليست ملكية خاصة، والمنصب ليس امتيازاً دائماً، بل تكليف مؤقت ينتهي في وقت معلوم أو غير معلوم. وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة مبكراً، يصبح أكثر قدرة على مغادرة موقعه بطمأنينة، وأكثر استعداداً لدعم من يخلفه، وأكثر ثقة بأن قيمة العطاء لا ترتبط بالبقاء في الواجهة.
ولعل من أسمى صور الانتماء أن يظل الإنسان حريصاً على نجاح المؤسسة التي خدم فيها حتى بعد أن يغادرها، وأن يفرح لإنجازاتها كما كان يفرح بها وهو جزء من إدارتها، وأن ينظر إلى التقدم الوطني باعتباره مكسباً عاماً لا إنجازاً شخصياً.
فالوطن لا يبدأ عند باب المكتب ولا ينتهي عند مغادرته. والوطن أكبر من المناصب جميعها، وأبقى من الألقاب كافة. أما المواقع العامة فتظل محطات عابرة في رحلة طويلة، يتعاقب عليها الرجال والنساء، بينما تبقى الأوطان ثابتة في مكانها، تنتظر من أبنائها أن يختلفوا من أجلها، لا عليها، وأن ينتقدوا أداءها حرصاً عليها، لا خصومة معها.
وفي نهاية المطاف، يبقى المعيار الأكثر عدلاً في الحكم على التجارب العامة هو قدرة الإنسان على الاحتفاظ بتوازنه بعد مغادرة المنصب. فهناك من يغادر الموقع ويبقى وفياً للفكرة، داعماً للمؤسسة، مؤمناً بالدولة، مدركاً أن البناء الوطني عمل تراكمي لا يحتكره جيل ولا فرد. وهناك من يغادر الموقع فيغادر معه شيء من ذلك الاتزان. أما الانتماء الحقيقي، فلا تُحدده الصفة الوظيفية، ولا تصنعه الألقاب، بل يظهر في تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مواطناً عادياً مرة أخرى، ثم يواصل الحديث عن وطنه بالمحبة نفسها، والاحترام نفسه، والحرص نفسه الذي كان يتحدث به وهو في أعلى المواقع.
كثيرون أحسنوا العطاء وهم في مواقعهم، وأسهموا في البناء واتخاذ القرار وخدمة مؤسساتهم ومجتمعاتهم، غير أن الاختبار الحقيقي للوعي الوطني يبدأ غالباً عند انتهاء تلك المرحلة. ففي تلك اللحظة تحديداً تتكشف طبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان بموقعه؛ هل كانت علاقة خدمة ورسالة، أم علاقة مكانة وحضور؟
ذلك أن بعض الأشخاص يغادرون مواقعهم وهم أكثر اتزاناً ونضجاً، فينظرون إلى مؤسسات الدولة باعتبارها كيانات مستمرة تتجاوز الأشخاص والأجيال، ويدركون أن ما أسهموا فيه ليس ملكاً شخصياً لهم، بل لبنة في بناء وطني تراكمي شارك فيه من سبقهم وسيشارك فيه من يأتي بعدهم. في المقابل، نجد أحياناً من تتبدل رؤيتهم للمشهد العام بعد مغادرة المنصب. فالأداء الذي كان مقبولاً يصبح موضع انتقاد دائم، والقرارات التي كانت تُفهم في سياقها الإداري والسياسي تصبح أدلة على الخلل، والمؤسسات التي كانت محل إشادة تتحول فجأة إلى موضوع للتشكيك المستمر.
ولا يتعلق الأمر هنا بحق النقد، فالنقد الواعي والمسؤول ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطور، بل إن المؤسسات الرصينة لا تخشى المراجعة ولا تضيق بالرأي الآخر. غير أن ثمة فارقاً بين النقد الذي ينطلق من الحرص على المصلحة العامة، والنقد الذي يتحول إلى رد فعل نفسي تجاه فقدان الموقع أو تراجع الحضور: فالأول يبحث عن الحلول ويقدم البدائل ويسعى إلى التصويب، أما الثاني فيتوقف غالباً عند توصيف المشكلات وتضخيمها، لأن غايته ليست الإصلاح بقدر ما هي التعبير عن حالة من عدم الرضا.
ومن هنا، فإن الحكمة تقتضي أن نفرق بين معارضة السياسات ومعارضة الدولة، وبين الاختلاف مع بعض القرارات والتشكيك بالمؤسسات. فالدول الراسخة لا تقوم على الأشخاص مهما كانت أدوارهم، وإنما تقوم على مؤسسات تستمد قوتها من استمراريتها وقدرتها على التجدد.
إن المسؤولية العامة ليست ملكية خاصة، والمنصب ليس امتيازاً دائماً، بل تكليف مؤقت ينتهي في وقت معلوم أو غير معلوم. وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة مبكراً، يصبح أكثر قدرة على مغادرة موقعه بطمأنينة، وأكثر استعداداً لدعم من يخلفه، وأكثر ثقة بأن قيمة العطاء لا ترتبط بالبقاء في الواجهة.
ولعل من أسمى صور الانتماء أن يظل الإنسان حريصاً على نجاح المؤسسة التي خدم فيها حتى بعد أن يغادرها، وأن يفرح لإنجازاتها كما كان يفرح بها وهو جزء من إدارتها، وأن ينظر إلى التقدم الوطني باعتباره مكسباً عاماً لا إنجازاً شخصياً.
فالوطن لا يبدأ عند باب المكتب ولا ينتهي عند مغادرته. والوطن أكبر من المناصب جميعها، وأبقى من الألقاب كافة. أما المواقع العامة فتظل محطات عابرة في رحلة طويلة، يتعاقب عليها الرجال والنساء، بينما تبقى الأوطان ثابتة في مكانها، تنتظر من أبنائها أن يختلفوا من أجلها، لا عليها، وأن ينتقدوا أداءها حرصاً عليها، لا خصومة معها.
وفي نهاية المطاف، يبقى المعيار الأكثر عدلاً في الحكم على التجارب العامة هو قدرة الإنسان على الاحتفاظ بتوازنه بعد مغادرة المنصب. فهناك من يغادر الموقع ويبقى وفياً للفكرة، داعماً للمؤسسة، مؤمناً بالدولة، مدركاً أن البناء الوطني عمل تراكمي لا يحتكره جيل ولا فرد. وهناك من يغادر الموقع فيغادر معه شيء من ذلك الاتزان. أما الانتماء الحقيقي، فلا تُحدده الصفة الوظيفية، ولا تصنعه الألقاب، بل يظهر في تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مواطناً عادياً مرة أخرى، ثم يواصل الحديث عن وطنه بالمحبة نفسها، والاحترام نفسه، والحرص نفسه الذي كان يتحدث به وهو في أعلى المواقع.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/07 الساعة 12:18