أبو لبن يكتب: محمد ناجي العمايرة كما عرفته
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/06 الساعة 10:13
يصعب الحديث عن بعض الشخصيات الثقافية والإدارية بمعزلٍ عن أثرها الإنساني، لأنّ ما يبقى في الذاكرة بعد سنوات طويلة ليس المنصب ولا اللقب، بل ذلك الخيط الرفيع من المودة والاحترام الذي يربط الناس ببعضهم. ومن هؤلاء الدكتور محمد ناجي العمايرة الذي عرفته أول مرة في أروقة وزارة الثقافة عندما كان يشغل منصب الأمين العام للوزارة، قبل أن تتوطد العلاقة بيننا لاحقًا وتتجاوز حدود العمل الرسمي إلى صداقةٍ قائمة على التقدير المتبادل والاحترام.
في تلك السنوات كنت معلّمًا في وزارة التربية والتعليم، غير أنّ شغفي بالكتاب والثقافة كان يدفعني إلى التردد المستمر على وزارة الثقافة للحصول على إصداراتها من الكتب والمجلات الثقافية التي كانت تشكل نافذة مهمة للمثقف الأردني، وفي مقدمتها مجلة "أفكار" و"صوت الجيل". وكانت الوزارة آنذاك تمارس دورًا تنويريًا بارزًا في دعم الكتاب والمؤلفين، وقد حظيت شخصيًا بدعمها لكتابي "المونولوج الداخلي عند نجيب محفوظ" عام 1994، وهو دعمٌ أعتز به لأنه جاء في مرحلة مبكرة من تجربتي النقدية.
ومن جميل المصادفات أنني التقيت في الوزارة بالشاعر والناقد عبدالله رضوان الذي كان يشغل منصب مدير الدراسات والنشر، وكان اللقاء في مكتب الروائي مؤنس الرزاز. يومها أثنى عبدالله رضوان على الكتاب، وزفّ إليّ بشرى موافقة الوزارة على دعم مخطوطي المتعلق بأدب نجيب محفوظ. ومنذ ذلك الوقت تكررت اللقاءات في الوزارة، وتحوّلت إلى حوارات ثقافية وإنسانية كان لها أثر كبير في مساري الثقافي.
في أحد تلك اللقاءات أشار عليّ عبدالله رضوان أن أتقدم بطلب انتداب من وزارة التربية والتعليم للعمل في وزارة الثقافة، مؤكدًا أن وجودي هناك سيكون أكثر انسجامًا مع اهتماماتي الثقافية والأدبية. استجبت للنصيحة وقدّمت الطلب، لكن المفاجأة كانت رفضه في البداية من قبل أمين عام الوزارة. وحين أخبرت عبدالله رضوان بذلك قال بثقة ومحبة: "سنعمل أنا ومؤنس الرزاز على إقناع الأمين العام بالموافقة، فأنت مكسب للوزارة ومكانك الطبيعي هنا". كانت كلمات تحمل من التشجيع ما يكفي لإحياء الأمل من جديد.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى تحققت تلك المساعي، فصدرت الموافقة على انتدابي إلى وزارة الثقافة عام 1996، لأبدأ عملي مدققًا لغويًا، قبل أن يتم نقلي نهائيًا إلى الوزارة بعد عامين. وقد شكّل ذلك التحول محطة مهمة في حياتي المهنية والثقافية، إذ انتقلت من فضاء التعليم المدرسي إلى فضاء العمل الثقافي المباشر، بما يتيحه من تواصل مع الكتّاب والمبدعين والمؤسسات الثقافية.
في تلك المرحلة كانت علاقتي بالدكتور محمد ناجي العمايرة محكومة في البداية بإطارها الإداري الطبيعي؛ علاقة موظف برئيسه الإداري. غير أنّ الأيام كشفت عن جوانب أخرى في شخصيته؛ فقد كان يمتلك قدرة على التعامل الإنساني الراقي مع العاملين حوله، وكان يدرك أهمية الثقافة ودور المثقفين في بناء المجتمع. ولم يكن حضوره الإداري منفصلًا عن اهتماماته الفكرية والقومية والثقافية، وهو ما جعله يحظى باحترام العاملين في الوزارة وتقديرهم.
وفي عام 1997 انتقل الدكتور محمد ناجي العمايرة للعمل مستشارًا في رئاسة الوزراء، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية، فيما بدأت علاقتنا تتخذ بعدًا أكثر قربًا وودًا. ومع مرور السنوات ظل التواصل قائمًا، لا تحكمه المصالح ولا ضرورات العمل، بل تفرضه المحبة الصادقة والاحترام المتبادل.
ثم جاءت تجربته العربية حين انتقل إلى مملكة البحرين للعمل مستشارًا إعلاميًا في الديوان الملكي البحريني خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2012، وهي تجربة عكست الثقة التي حظي بها على المستويين المهني والفكري. وبعد عودته إلى الأردن واصل حضوره الثقافي والفكري، معززًا ذلك بتحصيله العلمي، إذ نال درجة الدكتوراه من جامعة عمان الأهلية عن أطروحته "الأحزاب السياسية في المشرق العربي"، وهي دراسة تؤكد اهتمامه المبكر بقضايا الفكر السياسي والقومي العربي.
ولم يكن الدكتور العمايرة إداريًا ناجحًا فحسب، بل كان أيضًا باحثًا ومؤلفًا وصاحب اهتمام فكري واضح. ومن أبرز مؤلفاته كتاب "ساطع الحصري وفلسفة القومية العربية" الصادر عام 1996، الذي يعكس انشغاله بأسئلة الهوية والقومية والفكر العربي الحديث. كما كتب الشعر ونشر عددًا من المقالات الفكرية والثقافية في صحيفتي "الرأي" و"العرب اليوم"، مؤكدًا حضوره في الحقل الثقافي إلى جانب عمله الإداري.
غير أنّ ما يميز الدكتور محمد ناجي العمايرة في نظري ليس ما كتبه أو المناصب التي شغلها فحسب، بل ذلك الجانب الإنساني الذي ظل ملازمًا له في مختلف مراحل حياته. فقد عرفته ودودًا، محبًا للناس، قريبًا من الجميع، يستقبلك بابتسامة صادقة لا تعرف التكلف، ويعاملك بأدب جمّ يترك أثره في النفس. ومن النادر أن يجتمع في شخص واحد هذا القدر من الثقافة والخبرة والإنسانية، ولذلك ظلّت صداقتي به ممتدة عبر السنوات، قائمة على التقدير والمحبة أكثر مما هي قائمة على الذكريات المشتركة.
إنّ الحديث عن الدكتور محمد ناجي العمايرة هو حديث عن جيلٍ من المثقفين والإداريين الذين آمنوا بأن الثقافة ليست وظيفةً فحسب، بل رسالة ومسؤولية. وهو واحد من أولئك الذين تركوا أثرهم في المؤسسات التي عملوا فيها، وفي الأشخاص الذين عرفوهم، وفي المشهد الثقافي الأردني الذي ظل جزءًا أصيلًا من اهتمامهم وانشغالهم. ولذلك فإنّ صورته التي بقيت في الذاكرة ليست صورة المسؤول الجالس خلف مكتبه، بل صورة الإنسان الذي يلقاك مبتسمًا، ويمنحك من لطفه وأدبه ما يجعلك تتذكره بمحبة كلما مرّ اسمه في الحديث أو عادت سنوات البدايات إلى الذاكرة.
في تلك السنوات كنت معلّمًا في وزارة التربية والتعليم، غير أنّ شغفي بالكتاب والثقافة كان يدفعني إلى التردد المستمر على وزارة الثقافة للحصول على إصداراتها من الكتب والمجلات الثقافية التي كانت تشكل نافذة مهمة للمثقف الأردني، وفي مقدمتها مجلة "أفكار" و"صوت الجيل". وكانت الوزارة آنذاك تمارس دورًا تنويريًا بارزًا في دعم الكتاب والمؤلفين، وقد حظيت شخصيًا بدعمها لكتابي "المونولوج الداخلي عند نجيب محفوظ" عام 1994، وهو دعمٌ أعتز به لأنه جاء في مرحلة مبكرة من تجربتي النقدية.
ومن جميل المصادفات أنني التقيت في الوزارة بالشاعر والناقد عبدالله رضوان الذي كان يشغل منصب مدير الدراسات والنشر، وكان اللقاء في مكتب الروائي مؤنس الرزاز. يومها أثنى عبدالله رضوان على الكتاب، وزفّ إليّ بشرى موافقة الوزارة على دعم مخطوطي المتعلق بأدب نجيب محفوظ. ومنذ ذلك الوقت تكررت اللقاءات في الوزارة، وتحوّلت إلى حوارات ثقافية وإنسانية كان لها أثر كبير في مساري الثقافي.
في أحد تلك اللقاءات أشار عليّ عبدالله رضوان أن أتقدم بطلب انتداب من وزارة التربية والتعليم للعمل في وزارة الثقافة، مؤكدًا أن وجودي هناك سيكون أكثر انسجامًا مع اهتماماتي الثقافية والأدبية. استجبت للنصيحة وقدّمت الطلب، لكن المفاجأة كانت رفضه في البداية من قبل أمين عام الوزارة. وحين أخبرت عبدالله رضوان بذلك قال بثقة ومحبة: "سنعمل أنا ومؤنس الرزاز على إقناع الأمين العام بالموافقة، فأنت مكسب للوزارة ومكانك الطبيعي هنا". كانت كلمات تحمل من التشجيع ما يكفي لإحياء الأمل من جديد.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى تحققت تلك المساعي، فصدرت الموافقة على انتدابي إلى وزارة الثقافة عام 1996، لأبدأ عملي مدققًا لغويًا، قبل أن يتم نقلي نهائيًا إلى الوزارة بعد عامين. وقد شكّل ذلك التحول محطة مهمة في حياتي المهنية والثقافية، إذ انتقلت من فضاء التعليم المدرسي إلى فضاء العمل الثقافي المباشر، بما يتيحه من تواصل مع الكتّاب والمبدعين والمؤسسات الثقافية.
في تلك المرحلة كانت علاقتي بالدكتور محمد ناجي العمايرة محكومة في البداية بإطارها الإداري الطبيعي؛ علاقة موظف برئيسه الإداري. غير أنّ الأيام كشفت عن جوانب أخرى في شخصيته؛ فقد كان يمتلك قدرة على التعامل الإنساني الراقي مع العاملين حوله، وكان يدرك أهمية الثقافة ودور المثقفين في بناء المجتمع. ولم يكن حضوره الإداري منفصلًا عن اهتماماته الفكرية والقومية والثقافية، وهو ما جعله يحظى باحترام العاملين في الوزارة وتقديرهم.
وفي عام 1997 انتقل الدكتور محمد ناجي العمايرة للعمل مستشارًا في رئاسة الوزراء، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية، فيما بدأت علاقتنا تتخذ بعدًا أكثر قربًا وودًا. ومع مرور السنوات ظل التواصل قائمًا، لا تحكمه المصالح ولا ضرورات العمل، بل تفرضه المحبة الصادقة والاحترام المتبادل.
ثم جاءت تجربته العربية حين انتقل إلى مملكة البحرين للعمل مستشارًا إعلاميًا في الديوان الملكي البحريني خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2012، وهي تجربة عكست الثقة التي حظي بها على المستويين المهني والفكري. وبعد عودته إلى الأردن واصل حضوره الثقافي والفكري، معززًا ذلك بتحصيله العلمي، إذ نال درجة الدكتوراه من جامعة عمان الأهلية عن أطروحته "الأحزاب السياسية في المشرق العربي"، وهي دراسة تؤكد اهتمامه المبكر بقضايا الفكر السياسي والقومي العربي.
ولم يكن الدكتور العمايرة إداريًا ناجحًا فحسب، بل كان أيضًا باحثًا ومؤلفًا وصاحب اهتمام فكري واضح. ومن أبرز مؤلفاته كتاب "ساطع الحصري وفلسفة القومية العربية" الصادر عام 1996، الذي يعكس انشغاله بأسئلة الهوية والقومية والفكر العربي الحديث. كما كتب الشعر ونشر عددًا من المقالات الفكرية والثقافية في صحيفتي "الرأي" و"العرب اليوم"، مؤكدًا حضوره في الحقل الثقافي إلى جانب عمله الإداري.
غير أنّ ما يميز الدكتور محمد ناجي العمايرة في نظري ليس ما كتبه أو المناصب التي شغلها فحسب، بل ذلك الجانب الإنساني الذي ظل ملازمًا له في مختلف مراحل حياته. فقد عرفته ودودًا، محبًا للناس، قريبًا من الجميع، يستقبلك بابتسامة صادقة لا تعرف التكلف، ويعاملك بأدب جمّ يترك أثره في النفس. ومن النادر أن يجتمع في شخص واحد هذا القدر من الثقافة والخبرة والإنسانية، ولذلك ظلّت صداقتي به ممتدة عبر السنوات، قائمة على التقدير والمحبة أكثر مما هي قائمة على الذكريات المشتركة.
إنّ الحديث عن الدكتور محمد ناجي العمايرة هو حديث عن جيلٍ من المثقفين والإداريين الذين آمنوا بأن الثقافة ليست وظيفةً فحسب، بل رسالة ومسؤولية. وهو واحد من أولئك الذين تركوا أثرهم في المؤسسات التي عملوا فيها، وفي الأشخاص الذين عرفوهم، وفي المشهد الثقافي الأردني الذي ظل جزءًا أصيلًا من اهتمامهم وانشغالهم. ولذلك فإنّ صورته التي بقيت في الذاكرة ليست صورة المسؤول الجالس خلف مكتبه، بل صورة الإنسان الذي يلقاك مبتسمًا، ويمنحك من لطفه وأدبه ما يجعلك تتذكره بمحبة كلما مرّ اسمه في الحديث أو عادت سنوات البدايات إلى الذاكرة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/06 الساعة 10:13