أبوخضير يكتب: نظام الإعلام الرقمي… بين ضرورة التنظيم وخشية التقييد

سيف الدين أبوخضير
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 23:08
ليست المشكلة في أن يدخل القانون إلى الفضاء الرقمي، بل في الكيفية التي يدخل بها: هل يأتي بوصفه أداة لتنظيم مجال أصبح متشابكًا ومزدحمًا، أم بوصفه وسيلة لضبط المجال العام وإعادة رسم حدوده؟ هنا تحديدًا يبدأ النقاش الحقيقي حول نظام تنظيم الإعلام الرقمي في الأردن.

فالمنصات الرقمية لم تعد مجرد مساحات شخصية يعبّر فيها الأفراد عن آرائهم أو تفاصيل حياتهم اليومية، بل تحولت إلى سوق للرأي، وساحة للإعلان، ومجال للتأثير، وأحيانًا إلى بيئة خصبة لتداول الشائعة وصناعة الانطباع. لم يعد المحتوى الرقمي بريئًا كما بدا في بداياته؛ فهو قادر اليوم على رفع السمعة أو هدمها، تسويق منتج أو تشويه منافس، تحريك نقاش عام أو تسميمه، وصناعة رأي جماهيري خلال ساعات قليلة.

من هنا، لا يبدو التنظيم فكرة غريبة عن هذا الواقع. فلا يمكن أن يبقى مجال بهذا الحجم من التأثير خارج أي إطار مهني أو قانوني، خصوصًا في ظل اختلاط الخبر بالإعلان، والرأي بالترويج، والصحافة بالتأثير التجاري. لكن الخطر لا يكمن في مبدأ التنظيم ذاته، بل في ضبابية حدوده. فالغموض في التشريعات الرقمية لا ينتج التزامًا مهنيًا بقدر ما ينتج خوفًا. والخوف، في عالم المحتوى، لا يصنع إعلامًا مسؤولًا؛ بل قد يصنع صمتًا، أو التفافًا، أو رقابة ذاتية تتجاوز المطلوب.

أكثر ما يحتاجه هذا النظام ليس لغة صارمة بقدر ما يحتاج إلى تعريفات واضحة. يجب أن يعرف صانع المحتوى موقعه بدقة: هل هو صاحب رأي؟ أم معلن؟ أم ناشر محترف؟ أم مؤسسة إعلامية؟ أم فرد يستخدم منصته للتعبير الشخصي؟ فالخلط بين هذه الحالات سيجعل التنظيم واسعًا أكثر مما ينبغي، وقد يحوّل النص القانوني من أداة لضبط الممارسة إلى مصدر للارتباك.

ليس من العدل أن يُعامل حساب شخصي يعلّق على شأن عام كما تُعامل منصة تجارية تدير حملات مدفوعة. وليس منطقيًا أن تُقاس تجربة شاب يصنع محتوى من هاتفه بالمعيار نفسه الذي تُقاس به مؤسسة إعلامية ذات جمهور واسع وإيراد وتأثير منظم. الفارق هنا ليس تقنيًا فقط، بل مهني واجتماعي وسياسي أيضًا. ومن لا يميز بين هذه المستويات قد ينجح في تقليل الفوضى، لكنه قد يخسر جزءًا من الحيوية التي صنعت قيمة الفضاء الرقمي أصلًا.

التنظيم الذكي لا يلاحق الصوت، بل يضبط الممارسة المؤثرة. لا يخاف من النقد، بل من التضليل. لا يضيّق على المبدعين الصغار، بل يحاسب من يحوّل المنصة إلى أداة تشهير أو ابتزاز أو إعلان مقنّع. بهذا المعنى، ينبغي أن تكون الجهة الناظمة أقرب إلى مهندس مرور رقمي، لا إلى شرطي يقف عند كل منعطف.

ويزداد الأمر حساسية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة الإعلام الرقمي. فنحن أمام لحظة يمكن فيها للصوت أن يُصنع، والصورة أن تُزوّر، والخبر أن يُفبرك بمهارة تجعل الحقيقة تبدو بطيئة أمام سرعة الخداع. هنا يصبح التنظيم ضرورة لحماية الثقة العامة، لا مجرد إجراء إداري. لكن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُعامل كوحش ينتظر الحظر، بل كأداة تحتاج إلى أخلاقيات، وإفصاح، وتدريب، ومعايير مهنية واضحة.

ما سيحدد مصير النظام ليس صدوره فقط، بل طريقة تطبيقه الأولى. أول قرار، أول مخالفة، أول اعتراض، أول حالة تظلم؛ عندها سيتضح اتجاه البوصلة. هل نحن أمام تنظيم يرفع جودة المشهد الرقمي؟ أم أمام باب جديد للقلق؟ هل سيشعر صانع المحتوى أن القانون يحميه من الفوضى، أم أنه يضعه تحت احتمال دائم للمساءلة؟

الأردن لا يحتاج إلى فضاء رقمي بلا سقف، لكنه لا يحتاج أيضًا إلى سقف منخفض. ما يحتاجه هو تنظيم يميز بين الفوضى والحرية، وبين النقد والإساءة، وبين التعبير الشخصي والعمل الإعلامي المنظم. هذه الفروق الصغيرة هي التي تصنع عدالة كبيرة.

في النهاية، الامتحان الحقيقي ليس في أن ننظم الإعلام الرقمي، بل في أن نفعل ذلك دون أن نكسر روحه. فالمنصات لا تُدار بالعصا وحدها، ولا تُترك للريح وحدها. إنها تحتاج إلى عقد واضح بين الدولة والمجتمع: حرية لا تتنكر للمسؤولية، ومسؤولية لا تتحول إلى خوف.

إذا نجح هذا العقد، يمكن للنظام أن يكون بداية نضج رقمي أردني حقيقي. وإذا فشل، فقد يتحول إلى نص آخر يوسّع المسافة بين المجتمع ومؤسساته. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يقول النظام؟ بل: كيف سيتصرف عندما يلتقي بأول صوت مختلف؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 23:08