تحول مهم في بورصة عمان

سلامة الدرعاوي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 07:14
يعكس تجاوز مؤشر بورصة عمّان مستوى أربعة آلاف نقطة تحولاً مهماً في مسار السوق المالي الأردني، لكنه لا يُختزل في رقم أو حاجز نفسي بقدر ما يعكس مساراً اقتصادياً واستثمارياً تراكم على مدى السنوات الماضية، فالأسواق المالية لا ترتفع بصورة مستدامة بفعل المضاربات وحدها، وإنما نتيجة تحسن في أساسيات الاقتصاد والشركات وقدرتها على تحقيق الأرباح والتوسع واستقطاب رؤوس الأموال.

ما تحقق اليوم في بورصة عمّان يختلف جذرياً عن المشهد الذي شهدته السوق في عام 2008 عندما سجل المؤشر مستويات تاريخية مرتفعة، ففي ذلك الوقت كانت الأسواق العالمية تعيش ذروة فقاعة مالية سبقت الأزمة العالمية، بينما ترتكز الارتفاعات الحالية على شركات أكثر نضجاً، ومعايير حوكمة أكثر صرامة، ومستويات شفافية وإفصاح تتوافق مع أفضل الممارسات الدولية، كما أن تركيبة الشركات المدرجة تغيرت بشكل كبير من خلال عمليات التوسع وزيادة رؤوس الأموال والانتشار الإقليمي وفتح أسواق تصديرية جديدة.

الأهم من المؤشر نفسه هو القيمة السوقية للشركات المدرجة، والتي ارتفعت إلى ما يزيد على 30 مليار دينار، وهذا الرقم يعكس نمواً حقيقياً في قيمة الأصول والشركات، ويؤكد أن المستثمرين يعيدون تقييم الشركات بناءً على قدرتها على تحقيق الأرباح والتدفقات النقدية المستقبلية، فالقيمة السوقية تمثل حجم الأرصدة المتولدة داخل الاقتصاد الوطني من خلال الشركات المدرجة.

اللافت أيضاً أن هذا الأداء جاء في فترة شهدت المنطقة خلالها تحديات جيوسياسية معقدة وحالة من عدم اليقين أثرت على العديد من الأسواق الإقليمية، ورغم ذلك، تمكن الأردن من الحفاظ على جاذبيته الاستثمارية واستقطاب استثمارات جديدة، مستفيداً من الاستقرار المؤسسي والمالي والنقدي الذي يتمتع به، وهذه المعادلة عززت ثقة المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء، وأعطت إشارات واضحة بأن الاقتصاد الأردني قادر على مواصلة النمو حتى في بيئات إقليمية صعبة.

كما أن ارتفاع أحجام التداول اليومية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات يعكس عودة السيولة إلى السوق، فحين ترتفع التداولات من مستويات متواضعة إلى عشرات الملايين من الدنانير يومياً، فإن ذلك يدل على وجود اهتمام استثماري حقيقي، وليس مجرد تحركات محدودة أو موسمية، والأهم أن هذه السيولة تأتي في ظل منظومة رقابية وتشريعية متقدمة تحد من الممارسات غير السليمة وتحافظ على عدالة السوق وشفافيته.

ولا يمكن فصل ما يحدث في بورصة عمّان عن المسار الاقتصادي العام الذي تقوده رؤية التحديث الاقتصادي، فالمشاريع الكبرى التي يتم إطلاقها، والاستثمارات الصناعية الجديدة، والتوسع في البنية التحتية والخدمات اللوجستية، كلها عوامل تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أداء الشركات المدرجة، وعندما تنمو الشركات وتتوسع أعمالها وتزداد أرباحها، فإن السوق المالي يصبح المستفيد الأول من هذا النمو.

التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في الحفاظ على مستوى الأربعة آلاف نقطة فقط، وإنما في توسيع قاعدة السوق من خلال إدراج شركات جديدة وتحفيز المزيد من الاكتتابات العامة، فبورصة عمّان تمتلك مقومات أكبر من حجمها الحالي، وتحتاج إلى ضخ شركات نوعية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والخدمات الحديثة لتعزيز عمق السوق وزيادة جاذبيتها للمستثمرين.

إن ما تشهده البورصة اليوم يمثل رسالة واضحة بأن السوق المالي الأردني عاد ليؤدي دوره الطبيعي كمنصة لتمويل النمو وجذب الاستثمارات، وعندما ترتفع القيمة السوقية بأكثر من عشرة مليارات دينار خلال سنوات قليلة، فإن الحديث لم يعد عن مؤشر يرتفع أو ينخفض، وإنما عن اقتصاد يبني قاعدة استثمارية أكثر قوة وقدرة على النمو المستدام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 07:14