القرالة يكتب: ألهذا الحد يضيق بهم الوطن؟

رشدي القرالة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 21:48
كل فترة يطلّ علينا ذات المشهد، بذات اللغة، وبذات الإيقاع الذي لا يهدأ إلا ليعيد إنتاج نفسه من جديد، خطاب لا يتعب من التشكيك، ولا يملّ من التقليل، ولا يخلو من الحقد، ولا يرى في الوطن إلا مساحة مفتوحة لإعادة الجدل في كل إنجاز، والطعن في كل خطوة، وإثارة الشك حول كل تقدم.

ليس المطلوب تصفيقاً ولا مجاملة، فالأوطان لا تُبنى بالتصفيق، ولا تُدار بالشعارات، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول الذي يهدف إلى الإصلاح، وبين خطاب يتخذ من الهدم منهجاً، ومن التشكيك عادة، ومن تضخيم السلبيات أداة دائمة لإرباك المشهد.

أما آن الأوان أن نتوقف أمام هذا الخلط المتعمد بين النقد والبناء، وبين الاختلاف والتعطيل؟.

في التجربة السياسية لأي دولة، يبقى الاختلاف علامة صحة إذا ظل في حدوده الطبيعية، وإذا ظل محكوماً بقاعدة واحدة "أن الوطن هو المرجعية العليا، وأن المصلحة العامة هي الإطار الذي لا يُكسر"، لكن حين يتحول هذا الاختلاف إلى حالة دائمة من الاستهداف لكل إنجاز، وإلى رغبة في تقويض الثقة لا تصحيح المسار، فإننا نكون أمام خلل في الفهم قبل أن يكون في الممارسة.

هناك من لا يتعامل مع الوطن كمسار مشترك، بل كمساحة صراع مفتوح، لا يرى فيها إلا نفسه، ولا يقيس فيها إلا مصالحه، ولا يفرح فيها إلا حين يتعثر غيره، وهذه الحالة، حين تتكرر وتتمدد، لا تضر الأشخاص بقدر ما تضر الفكرة ذاتها... فكرة الدولة، وفكرة الثقة، وفكرة الإنجاز المشترك.

لقد أصبحت بعض الأصوات تتغذى على الضجيج، وتستثمر في الإحباط، وتبني حضورها على التقليل من أي خطوة إلى الأمام، وكأن الإبقاء على حالة التوتر الدائم هو الهدف، لا المراجعة ولا الإصلاح، وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

إن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الخطأ في السياسات أو القرارات، بل تحويل الخطأ إلى أداة دائمة لتقويض الثقة العامة، وإضعاف الإيمان بقدرة الدولة على التقدم، وإغلاق باب التقدير الموضوعي لأي إنجاز مهما كان حجمه.

نحن بحاجة اليوم إلى توازن لا يلغي النقد، لكنه يعيد تعريفه، نقد لا يهدم الثقة، يصحح المسار، يحفز على التطوير، ولا يختزل المشهد في زاوية سوداء واحدة، بينما الواقع أكثر تنوعاً من ذلك بكثير.

أما آن الأوان أن ندرك أن الاستمرار في استنزاف المعنويات العامة لا يخدم أحداً؟ وأن تحويل كل إنجاز إلى معركة جانبية لا يضيف شيئاً سوى المزيد من الإرهاق العام؟

نعم... آن الأوان لقول واضح "الوطن أكبر من كل الضجيج، وأكبر من كل محاولات الاستنزاف المعنوي، وأكبر من كل من يحاول أن يختزله في لحظة سلبية عابرة".

والسؤال الذي يدور في ذهني دائما... لماذا كل هذا التشكيك والاستنزاف لوطن يفترض أنه وطن الجميع...ألهذا الحد يضيق بهم الوطن؟.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 21:48