المساعدة يكتب: المقامة الهاشمية في ذكرى الثورة العربية الكبرى ويوم الجيش
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 17:05
لَمَّا أظلَّنا أوانُ التذكار، وأطلَّتْ أيَّامُ الافتخار، وجرى في ربوعِ الأردنِّ حديثُ الثورةِ والأبرار، هاجَ بي شوقُ الاعتبار، إلى اقتباسِ قبسٍ من أخبارِ الأخيار.
فيمَّمتُ وجهِي شطرَ البادية، أمتطي مطيَّةَ الإعياءِ، وأجتازُ فجاجَ الصحراءِ، حتى إذا أنا بربوةٍ قد انتصبتْ انتصابَ السنان، وارتفعتْ ارتفاعَ البنيان، عليها رايةٌ تهتزُّ اهتزازَ الغصنِ الرطيب، وتختالُ اختيالَ الحُسامِ الصقيل.
فدنوتُ منها دنوَّ المسترشدِ بالدليل، والمستسقي من السلسبيل، فإذا شيخٌ قد لبسَ من الوقارِ رداءَه، ومن الاعتبارِ كساءَه، كأنَّ الشيبَ توَّجهُ ولم يضعه، والدهرَ روَّضهُ ولم يصرعه.
فسلَّمتُ سلامَ المشتاق، وسألتهُ سؤالَ التوَّاق.
وقلتُ:
يا شيخَ الفلاة، ويا بقيةَ الرواة، ما هذه الذكرى التي أشرقتْ بها الوجوه، واستبشرتْ بها الأرواحُ، وانشرحتْ لها الصدور؟
فطأطأ رأسَه هُنيهةً، ثم رفعه مليًّا، وقال كلامًا جليًّا:
يا هذا، إنَّك سألتَ خبيرًا، واستنطقتَ بصيرًا.
أما هذه فذكرى ثورةٍ ما ثارتْ لثأر، ولا انتفضتْ لإيثار، ولكنها نهضتْ لإحياءِ حقٍّ دارس، وإيقاظِ مجدٍ طامس.
ثورةٌ إذا ذُكرتْ اهتزَّ لها البيان، واستيقظَ لها الزمان، لأنها خرجتْ من بيتِ النبوَّةِ والمروءة، لا من بيتِ الغلبةِ والسطوة.
ثم أنشد:
أضاءتْ رُبَى العربِ استنارةَ كوكبٍ
إذا غابَ بدرُ الليلِ لاحَ له بدرُ
فقلتُ: زدني.
فقال:
نهضَ لها رجالٌ صدقوا إذا عاهدوا، وثبتوا إذا جاهدوا، فما لانوا لرهبة، ولا مالوا لرغبة.
أوقدوا من زنادِ العزمِ نارًا، وجعلوا من الرمادِ منارًا، حتى أقبلَ الصبحُ بعد السُّدفة، وانكشفَ الحقُّ بعد الغُمَّة، ثم التفتَ فرأى كتيبةً مقبلةً، في نظامٍ كأنَّهُ عِقدٌ انتظم، أو سِمطٌ التأم.
فقال:
أتدري من هؤلاء؟
قلتُ: لا.
قال:
هؤلاء بنو الجيشِ العربيِّ، حماةُ الحِمى، ورُعاةُ الذِّمار، وحُرَّاسُ الديار.
إن هجعَتِ العيونُ سهروا، وإن ركنتِ النفوسُ حذروا، وإن ادلهمَّ الخطبُ صبروا.
يستعذبونَ الكرى إذا جافوه، ويستطيبونَ العناءَ إذا وافوه.
هم للسلمِ سيوفٌ في أغماد، وللحربِ صواعقُ في أجناد.
إذا دعا الواجبُ لبَّوا، وإذا نادى الوطنُ هبُّوا.
لا تُلهيهم مباهجُ العيشِ عن واجبِ الجيش، ولا تشغلُهم لذَّةُ الدَّعةِ عن رعايةِ الرَّعيَّة.
فقلتُ:
وما بالُهم قد اجتمعَ لهم اللينُ والبأس، والحزمُ والأنس؟
فقال:
لأنهم ورثةُ رايةٍ لا غاية، وأبناءُ عقيدةٍ لا عادة.
ورثوا من الثورةِ عزمَها، ومن الدولةِ نظمَها، ومن الهاشميينَ حِلمَها وحزمَها.
ثم سكتَ سكتةَ المتفكر، وأطرقَ إطراقةَ المتدبر.
فقلتُ:
يا شيخُ، لقد أحييتَ في القلبِ ميتَه، وأوضحتَ للحائرِ غايتَه، فمن أنت؟
فتبسَّم تبسُّمَ العارفِ بسرِّه، والكاشفِ عن أمرِه.
وقال:
أنا رجلٌ شهدتُ من الأيامِ عجائبَها، ووعيتُ من الأنباءِ غرائبَها.
أرى أقوامًا يطلبونَ المجدَ بغيرِ جدٍّ، والعلا بغيرِ سعيٍ، ويبتغونَ الثمرَ قبلَ الغرس، والربحَ قبلَ الدرس.
وما علموا أنَّ الأوطانَ لا تُبنى بالأماني، ولا تُصانُ بالأغاني، ولكن تُبنى بالتضحية، وتُصانُ بالوفاءِ.
ثم أنشد:
إذا غُرِسَتْ في الأرضِ دوحةُ مجدِنا
سقاها دمُ الأحرارِ جيشٌ وثُوَّارُ
فبالأمسِ ثارَ الحرُّ يطلبُ عزَّهُ
واليومَ يحمي العزَّ أنجادٌ وأبطالُ
قلت في نفسي:
فهممتُ أن أستزيدَه من دررِه، وأستكثرَ من غررِه، فالتفتُّ التفاتةً، ثم رجعتُ إليه رجعةً، فلم أرَ إلا أثرًا بعد عين، وخبرًا بعد بين.
فعلمتُ أنَّه من أولئكَ القومِ الذين إذا حضروا أمتعوا، وإذا غابوا أوجعوا.
فانصرفتُ وأنا أقول:
رحمَ اللهُ رجالَ الثورةِ إذ بذروا، وحفظَ اللهُ رجالَ الجيشِ إذ ثمروا.
فبالأُوَلِ أُقيمَ البنيان، وبالآخِرينَ دامَ الأمان.
وما بين الثورةِ والجيشِ إلا عهدٌ موصول، ومجدٌ مأصول، ورايةٌ ما انحنتْ لريحٍ، ولا استكانتْ لجريح.
فيمَّمتُ وجهِي شطرَ البادية، أمتطي مطيَّةَ الإعياءِ، وأجتازُ فجاجَ الصحراءِ، حتى إذا أنا بربوةٍ قد انتصبتْ انتصابَ السنان، وارتفعتْ ارتفاعَ البنيان، عليها رايةٌ تهتزُّ اهتزازَ الغصنِ الرطيب، وتختالُ اختيالَ الحُسامِ الصقيل.
فدنوتُ منها دنوَّ المسترشدِ بالدليل، والمستسقي من السلسبيل، فإذا شيخٌ قد لبسَ من الوقارِ رداءَه، ومن الاعتبارِ كساءَه، كأنَّ الشيبَ توَّجهُ ولم يضعه، والدهرَ روَّضهُ ولم يصرعه.
فسلَّمتُ سلامَ المشتاق، وسألتهُ سؤالَ التوَّاق.
وقلتُ:
يا شيخَ الفلاة، ويا بقيةَ الرواة، ما هذه الذكرى التي أشرقتْ بها الوجوه، واستبشرتْ بها الأرواحُ، وانشرحتْ لها الصدور؟
فطأطأ رأسَه هُنيهةً، ثم رفعه مليًّا، وقال كلامًا جليًّا:
يا هذا، إنَّك سألتَ خبيرًا، واستنطقتَ بصيرًا.
أما هذه فذكرى ثورةٍ ما ثارتْ لثأر، ولا انتفضتْ لإيثار، ولكنها نهضتْ لإحياءِ حقٍّ دارس، وإيقاظِ مجدٍ طامس.
ثورةٌ إذا ذُكرتْ اهتزَّ لها البيان، واستيقظَ لها الزمان، لأنها خرجتْ من بيتِ النبوَّةِ والمروءة، لا من بيتِ الغلبةِ والسطوة.
ثم أنشد:
أضاءتْ رُبَى العربِ استنارةَ كوكبٍ
إذا غابَ بدرُ الليلِ لاحَ له بدرُ
فقلتُ: زدني.
فقال:
نهضَ لها رجالٌ صدقوا إذا عاهدوا، وثبتوا إذا جاهدوا، فما لانوا لرهبة، ولا مالوا لرغبة.
أوقدوا من زنادِ العزمِ نارًا، وجعلوا من الرمادِ منارًا، حتى أقبلَ الصبحُ بعد السُّدفة، وانكشفَ الحقُّ بعد الغُمَّة، ثم التفتَ فرأى كتيبةً مقبلةً، في نظامٍ كأنَّهُ عِقدٌ انتظم، أو سِمطٌ التأم.
فقال:
أتدري من هؤلاء؟
قلتُ: لا.
قال:
هؤلاء بنو الجيشِ العربيِّ، حماةُ الحِمى، ورُعاةُ الذِّمار، وحُرَّاسُ الديار.
إن هجعَتِ العيونُ سهروا، وإن ركنتِ النفوسُ حذروا، وإن ادلهمَّ الخطبُ صبروا.
يستعذبونَ الكرى إذا جافوه، ويستطيبونَ العناءَ إذا وافوه.
هم للسلمِ سيوفٌ في أغماد، وللحربِ صواعقُ في أجناد.
إذا دعا الواجبُ لبَّوا، وإذا نادى الوطنُ هبُّوا.
لا تُلهيهم مباهجُ العيشِ عن واجبِ الجيش، ولا تشغلُهم لذَّةُ الدَّعةِ عن رعايةِ الرَّعيَّة.
فقلتُ:
وما بالُهم قد اجتمعَ لهم اللينُ والبأس، والحزمُ والأنس؟
فقال:
لأنهم ورثةُ رايةٍ لا غاية، وأبناءُ عقيدةٍ لا عادة.
ورثوا من الثورةِ عزمَها، ومن الدولةِ نظمَها، ومن الهاشميينَ حِلمَها وحزمَها.
ثم سكتَ سكتةَ المتفكر، وأطرقَ إطراقةَ المتدبر.
فقلتُ:
يا شيخُ، لقد أحييتَ في القلبِ ميتَه، وأوضحتَ للحائرِ غايتَه، فمن أنت؟
فتبسَّم تبسُّمَ العارفِ بسرِّه، والكاشفِ عن أمرِه.
وقال:
أنا رجلٌ شهدتُ من الأيامِ عجائبَها، ووعيتُ من الأنباءِ غرائبَها.
أرى أقوامًا يطلبونَ المجدَ بغيرِ جدٍّ، والعلا بغيرِ سعيٍ، ويبتغونَ الثمرَ قبلَ الغرس، والربحَ قبلَ الدرس.
وما علموا أنَّ الأوطانَ لا تُبنى بالأماني، ولا تُصانُ بالأغاني، ولكن تُبنى بالتضحية، وتُصانُ بالوفاءِ.
ثم أنشد:
إذا غُرِسَتْ في الأرضِ دوحةُ مجدِنا
سقاها دمُ الأحرارِ جيشٌ وثُوَّارُ
فبالأمسِ ثارَ الحرُّ يطلبُ عزَّهُ
واليومَ يحمي العزَّ أنجادٌ وأبطالُ
قلت في نفسي:
فهممتُ أن أستزيدَه من دررِه، وأستكثرَ من غررِه، فالتفتُّ التفاتةً، ثم رجعتُ إليه رجعةً، فلم أرَ إلا أثرًا بعد عين، وخبرًا بعد بين.
فعلمتُ أنَّه من أولئكَ القومِ الذين إذا حضروا أمتعوا، وإذا غابوا أوجعوا.
فانصرفتُ وأنا أقول:
رحمَ اللهُ رجالَ الثورةِ إذ بذروا، وحفظَ اللهُ رجالَ الجيشِ إذ ثمروا.
فبالأُوَلِ أُقيمَ البنيان، وبالآخِرينَ دامَ الأمان.
وما بين الثورةِ والجيشِ إلا عهدٌ موصول، ومجدٌ مأصول، ورايةٌ ما انحنتْ لريحٍ، ولا استكانتْ لجريح.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 17:05