الوزير السابق سعيدان يكتب: الأردن اكبر من طرفة 'تشرشل السكران' على خريطة!
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 12:53
إن القول إن ونستون تشرشل كان سكراناً حين رُسمت حدود الأردن مع السعودية قولٌ فيه تندر ساذج ضحل تاريخيا، لكنه لا يصلح للتاريخ. فهو يختزل نشأة الدولة الأردنية وحدودها في طرفة استعمارية سطحية، ويتجاهل أن الحدود لم تكن خطاً عابراً رُسم على منديل، بل جاءت ضمن سياق طويل من انهيار الدولة العثمانية، والانتداب البريطاني، وصراع النفوذ، وحركة القبائل، وأمن الطرق، وموقع العقبة، ومفاوضات إقليمية معقدة.
والأدق تاريخياً أن اتفاقية سايكس–بيكو لم تكن هي الوثيقة التي رسمت الحدود الأردنية–السعودية كما نعرفها اليوم. سايكس–بيكو كانت اتفاقاً عاماً بين بريطانيا وفرنسا على مناطق النفوذ، أما حدود شرق الأردن الجنوبية والشرقية فتبلورت لاحقاً من خلال ترتيبات ومفاوضات واتفاقيات، منها اتفاقية حداء عام 1925، ثم اتفاقيات لاحقة وصولاً إلى الاتفاق الأردني–السعودي عام 1965. ولذلك فإن ربط شكل الحدود الأردنية مباشرة بسكر تشرشل أو بمزاجه الشخصي هو تبسيط مخل، بل وإساءة إلى وعي الناس بالتاريخ والجغرافيا والسياسة.
نعم، كانت القوى الاستعمارية حاضرة بقوة في رسم خرائط المنطقة، وهذا أمر لا يجوز إنكاره أو تجميله. لكن الأردن لم يكن نتيجة “حازوقة” ولا صدفة كرتونية على خريطة. الأردن نشأ في واحدة من أكثر مناطق الإقليم حساسية، بين بادية وقبائل وطرق حج وتجارة وحدود أمنية وممرات استراتيجية وميناء العقبة. ومن رحم تلك الجغرافيا الصعبة وُلد كيان سياسي استطاع أن يتحول من إمارة محدودة الموارد إلى دولة ذات مؤسسات وجيش وإدارة وتعليم ودبلوماسية ودور إقليمي يتجاوز حجمها الجغرافي.
والأردنيون لا يحتاجون إلى إنكار أثر الاستعمار حتى يعتزوا بدولتهم؛ بل يكفيهم فخراً أنهم أخذوا واقعاً قاسياً وحدوداً صعبة وموارد شحيحة، وصنعوا منه دولة راسخة. فليست عظمة الأردن في أن حدوده رُسمت في ظروف مثالية، بل في أنه حوّل الجغرافيا القاسية إلى هوية، والندرة إلى صمود، والموقع الحساس إلى رسالة استقرار.
أما من يكرر مقولة “تشرشل السكران” وكأنها تفسير كامل للأردن، فهو لا يقرأ التاريخ بل يستهلك نكتة. الأردن أكبر من طرفة على خريطة، وأعمق من خط متعرج، وأرسخ من حكاية استعمارية ساخرة. هذه دولة صنعت معناها بدم أبنائها، وبوعي قيادتها، وبصبر مجتمعها، وبقدرتها على البقاء في قلب العواصف دون أن تفقد اتزانها أو دورها أو كرامتها.
والأدق تاريخياً أن اتفاقية سايكس–بيكو لم تكن هي الوثيقة التي رسمت الحدود الأردنية–السعودية كما نعرفها اليوم. سايكس–بيكو كانت اتفاقاً عاماً بين بريطانيا وفرنسا على مناطق النفوذ، أما حدود شرق الأردن الجنوبية والشرقية فتبلورت لاحقاً من خلال ترتيبات ومفاوضات واتفاقيات، منها اتفاقية حداء عام 1925، ثم اتفاقيات لاحقة وصولاً إلى الاتفاق الأردني–السعودي عام 1965. ولذلك فإن ربط شكل الحدود الأردنية مباشرة بسكر تشرشل أو بمزاجه الشخصي هو تبسيط مخل، بل وإساءة إلى وعي الناس بالتاريخ والجغرافيا والسياسة.
نعم، كانت القوى الاستعمارية حاضرة بقوة في رسم خرائط المنطقة، وهذا أمر لا يجوز إنكاره أو تجميله. لكن الأردن لم يكن نتيجة “حازوقة” ولا صدفة كرتونية على خريطة. الأردن نشأ في واحدة من أكثر مناطق الإقليم حساسية، بين بادية وقبائل وطرق حج وتجارة وحدود أمنية وممرات استراتيجية وميناء العقبة. ومن رحم تلك الجغرافيا الصعبة وُلد كيان سياسي استطاع أن يتحول من إمارة محدودة الموارد إلى دولة ذات مؤسسات وجيش وإدارة وتعليم ودبلوماسية ودور إقليمي يتجاوز حجمها الجغرافي.
والأردنيون لا يحتاجون إلى إنكار أثر الاستعمار حتى يعتزوا بدولتهم؛ بل يكفيهم فخراً أنهم أخذوا واقعاً قاسياً وحدوداً صعبة وموارد شحيحة، وصنعوا منه دولة راسخة. فليست عظمة الأردن في أن حدوده رُسمت في ظروف مثالية، بل في أنه حوّل الجغرافيا القاسية إلى هوية، والندرة إلى صمود، والموقع الحساس إلى رسالة استقرار.
أما من يكرر مقولة “تشرشل السكران” وكأنها تفسير كامل للأردن، فهو لا يقرأ التاريخ بل يستهلك نكتة. الأردن أكبر من طرفة على خريطة، وأعمق من خط متعرج، وأرسخ من حكاية استعمارية ساخرة. هذه دولة صنعت معناها بدم أبنائها، وبوعي قيادتها، وبصبر مجتمعها، وبقدرتها على البقاء في قلب العواصف دون أن تفقد اتزانها أو دورها أو كرامتها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 12:53