النعيمات يكتب: الديمقراطية الإدارية في مهبّ التراجع.. قراءة نقدية لتصريحات الحكومة حول الانتخابات المحلية
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 13:11
أثارت التصريحات الحكومية الأخيرة التي تحدثت عن تراجع الحماسة الشعبية للمشاركة في الانتخابات المحلية نقاشاً مشروعاً حول مستقبل الإدارة المحلية في الأردن، ولا سيما في ظل التوجه نحو إعداد مشروع قانون معدل لقانون الإدارة المحلية. ورغم أهمية الاعتراف الرسمي بوجود هذه الظاهرة، فإن الاكتفاء بتوصيفها لا يكفي، بل يقتضي البحث في أسبابها الحقيقية والوقوف على دلالاتها القانونية والسياسية والإدارية.
فالمشاركة في الانتخابات المحلية ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي انعكاس لمستوى ثقة المواطن بالمؤسسات المنتخبة وقدرتها على التأثير في حياته اليومية. وعندما تتراجع هذه المشاركة أو تضعف الحماسة تجاهها، فإن ذلك يستدعي التساؤل عما إذا كانت المشكلة تكمن في المواطن أم في البيئة التشريعية والمؤسسية التي تحكم عمل الإدارة المحلية.
إن المتأمل في تجربة الإدارة المحلية خلال السنوات الأخيرة يلحظ أن جزءاً مهماً من حالة العزوف الشعبي يرتبط بالشعور المتزايد بأن المجالس المنتخبة لا تمتلك بالقدر الكافي من الصلاحيات والإمكانات ما يجعلها قادرة على إحداث تغيير ملموس في الواقع التنموي والخدمي للمجتمعات المحلية. فالمواطن لا يقيس أهمية الانتخابات بعدد المرشحين أو الحملات الانتخابية، وإنما بمدى قدرة صوته على إحداث أثر حقيقي في القرارات التي تمس حياته اليومية.
ومن هنا، فإن تراجع الحماسة الشعبية لا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفاً في الوعي السياسي أو قصوراً في الثقافة الديمقراطية لدى المواطنين، بقدر ما ينبغي النظر إليه باعتباره مؤشراً على وجود فجوة بين التوقعات الشعبية والقدرة الفعلية للمجالس المنتخبة على ممارسة اختصاصاتها وتحقيق البرامج التي انتخبت على أساسها.
ولعل أخطر ما يمكن أن ينتهي إليه الخطاب الرسمي هو تحميل المواطن وحده مسؤولية ضعف المشاركة الانتخابية، لأن المشاركة ليست واجباً مجرداً يفرض على الأفراد، بل هي نتيجة طبيعية لوجود مؤسسات يثق المواطن بفاعليتها وجدوى المشاركة في انتخابها. فكلما ازدادت قدرة المجالس المنتخبة على التأثير في القرار المحلي، ارتفعت مستويات المشاركة الشعبية، والعكس صحيح.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة تعديل قانون الإدارة المحلية أهمية خاصة، لأن التشريع ليس مجرد أداة لتنظيم الانتخابات، وإنما هو الإطار الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الإدارة المركزية والإدارة المحلية، ويرسم حدود الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات. ولذلك فإن نجاح أي تعديل تشريعي لا يقاس بعدد المواد التي يتم تعديلها أو استحداثها، وإنما بمدى قدرته على تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع دائرة صنع القرار المحلي.
غير أن القضية تتجاوز الانتخابات المحلية ذاتها إلى مفهوم أكثر عمقاً وأهمية يتمثل في الديمقراطية الإدارية. فهذه الديمقراطية تمثل الوجه الأقرب للمواطن من الديمقراطية بمختلف صورها، لأنها ترتبط مباشرة بإدارة الخدمات العامة المحلية وتحديد أولويات التنمية وتوزيع الموارد والاستجابة لاحتياجات السكان.
فإذا كانت الديمقراطية السياسية تتيح للمواطن اختيار ممثليه في البرلمان ومؤسسات الحكم المركزي، فإن الديمقراطية الإدارية تمنحه فرصة المشاركة في إدارة شؤونه المحلية والتأثير المباشر في القرارات المرتبطة ببيئته ومجتمعه المحلي. ولهذا السبب، فإن الإدارة المحلية تشكل المدرسة الأولى للمواطنة والمختبر الحقيقي للممارسة الديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، فإن تراجع الاهتمام بالانتخابات المحلية لا يعكس فقط فتوراً انتخابياً، بل قد يكون مؤشراً على تراجع الثقة بفاعلية الديمقراطية الإدارية ذاتها. فحين يشعر المواطن أن المجالس المنتخبة لا تملك سلطة حقيقية أو أن تأثيرها محدود أمام اتساع نطاق المركزية الإدارية، فإن قناعته بجدوى المشاركة تتراجع تدريجياً، مهما بلغت الجهود التوعوية أو الحملات التحفيزية.
إن الدول التي نجحت في ترسيخ الديمقراطية لم تبدأ من المؤسسات المركزية وحدها، بل من بناء إدارة محلية قوية تتمتع بصلاحيات حقيقية واستقلال إداري ومالي يمكنها من الاستجابة لمطالب المجتمعات المحلية. ولذلك فإن قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها المركزية، بل أيضاً بمدى حيوية وفاعلية مؤسساتها المحلية المنتخبة.
ومن هنا، فإن مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية يجب أن يشكل فرصة لإعادة الاعتبار للديمقراطية الإدارية، من خلال توسيع صلاحيات المجالس المنتخبة، وتعزيز استقلاليتها، وتمكينها من القيام بدور تنموي حقيقي، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف بما يحقق توازناً أفضل بين وحدة الدولة ومتطلبات اللامركزية.
كما أن الإصلاح التشريعي المطلوب ينبغي أن يتجاوز المعالجات الشكلية أو الإجرائية ليصل إلى جوهر المسألة، وهو إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الإدارة المحلية. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى عندما يرى المواطن أن صوته الانتخابي قادر على التأثير في القرار، وأن ممثليه المنتخبين يمتلكون من الأدوات والصلاحيات ما يمكنهم من تحقيق الوعود والبرامج التي طرحوها أمام الناخبين.
وفي المحصلة، فإن تصريحات الحكومة بشأن تراجع الحماسة الشعبية تجاه الانتخابات المحلية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار تشريعياً وإدارياً، لا مجرد وصف لحالة انتخابية عابرة. فالمشكلة الحقيقية ليست في تراجع المشاركة بحد ذاتها، وإنما في الأسباب التي أدت إليها. وإذا كان مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية يراد له أن يشكل خطوة إصلاحية حقيقية، فإن عليه أن ينطلق من تعزيز الديمقراطية الإدارية بوصفها الركيزة الأساسية للمشاركة الشعبية، وأحد أهم مقومات الدولة الديمقراطية الحديثة.
فحيث تكون الإدارة المحلية قوية وفاعلة، تكون الديمقراطية أكثر رسوخاً، وتكون المشاركة الشعبية أكثر حضوراً. أما حين تتراجع الديمقراطية الإدارية أو تُفرغ من مضمونها، فإن أولى النتائج تكون عزوف المواطن عن المشاركة وشعوره بأن صوته لم يعد قادرا على صناعة الفارق.
فالمشاركة في الانتخابات المحلية ليست غاية بحد ذاتها، وإنما هي انعكاس لمستوى ثقة المواطن بالمؤسسات المنتخبة وقدرتها على التأثير في حياته اليومية. وعندما تتراجع هذه المشاركة أو تضعف الحماسة تجاهها، فإن ذلك يستدعي التساؤل عما إذا كانت المشكلة تكمن في المواطن أم في البيئة التشريعية والمؤسسية التي تحكم عمل الإدارة المحلية.
إن المتأمل في تجربة الإدارة المحلية خلال السنوات الأخيرة يلحظ أن جزءاً مهماً من حالة العزوف الشعبي يرتبط بالشعور المتزايد بأن المجالس المنتخبة لا تمتلك بالقدر الكافي من الصلاحيات والإمكانات ما يجعلها قادرة على إحداث تغيير ملموس في الواقع التنموي والخدمي للمجتمعات المحلية. فالمواطن لا يقيس أهمية الانتخابات بعدد المرشحين أو الحملات الانتخابية، وإنما بمدى قدرة صوته على إحداث أثر حقيقي في القرارات التي تمس حياته اليومية.
ومن هنا، فإن تراجع الحماسة الشعبية لا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفاً في الوعي السياسي أو قصوراً في الثقافة الديمقراطية لدى المواطنين، بقدر ما ينبغي النظر إليه باعتباره مؤشراً على وجود فجوة بين التوقعات الشعبية والقدرة الفعلية للمجالس المنتخبة على ممارسة اختصاصاتها وتحقيق البرامج التي انتخبت على أساسها.
ولعل أخطر ما يمكن أن ينتهي إليه الخطاب الرسمي هو تحميل المواطن وحده مسؤولية ضعف المشاركة الانتخابية، لأن المشاركة ليست واجباً مجرداً يفرض على الأفراد، بل هي نتيجة طبيعية لوجود مؤسسات يثق المواطن بفاعليتها وجدوى المشاركة في انتخابها. فكلما ازدادت قدرة المجالس المنتخبة على التأثير في القرار المحلي، ارتفعت مستويات المشاركة الشعبية، والعكس صحيح.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة تعديل قانون الإدارة المحلية أهمية خاصة، لأن التشريع ليس مجرد أداة لتنظيم الانتخابات، وإنما هو الإطار الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الإدارة المركزية والإدارة المحلية، ويرسم حدود الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات. ولذلك فإن نجاح أي تعديل تشريعي لا يقاس بعدد المواد التي يتم تعديلها أو استحداثها، وإنما بمدى قدرته على تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع دائرة صنع القرار المحلي.
غير أن القضية تتجاوز الانتخابات المحلية ذاتها إلى مفهوم أكثر عمقاً وأهمية يتمثل في الديمقراطية الإدارية. فهذه الديمقراطية تمثل الوجه الأقرب للمواطن من الديمقراطية بمختلف صورها، لأنها ترتبط مباشرة بإدارة الخدمات العامة المحلية وتحديد أولويات التنمية وتوزيع الموارد والاستجابة لاحتياجات السكان.
فإذا كانت الديمقراطية السياسية تتيح للمواطن اختيار ممثليه في البرلمان ومؤسسات الحكم المركزي، فإن الديمقراطية الإدارية تمنحه فرصة المشاركة في إدارة شؤونه المحلية والتأثير المباشر في القرارات المرتبطة ببيئته ومجتمعه المحلي. ولهذا السبب، فإن الإدارة المحلية تشكل المدرسة الأولى للمواطنة والمختبر الحقيقي للممارسة الديمقراطية.
ومن هذا المنطلق، فإن تراجع الاهتمام بالانتخابات المحلية لا يعكس فقط فتوراً انتخابياً، بل قد يكون مؤشراً على تراجع الثقة بفاعلية الديمقراطية الإدارية ذاتها. فحين يشعر المواطن أن المجالس المنتخبة لا تملك سلطة حقيقية أو أن تأثيرها محدود أمام اتساع نطاق المركزية الإدارية، فإن قناعته بجدوى المشاركة تتراجع تدريجياً، مهما بلغت الجهود التوعوية أو الحملات التحفيزية.
إن الدول التي نجحت في ترسيخ الديمقراطية لم تبدأ من المؤسسات المركزية وحدها، بل من بناء إدارة محلية قوية تتمتع بصلاحيات حقيقية واستقلال إداري ومالي يمكنها من الاستجابة لمطالب المجتمعات المحلية. ولذلك فإن قوة الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها المركزية، بل أيضاً بمدى حيوية وفاعلية مؤسساتها المحلية المنتخبة.
ومن هنا، فإن مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية يجب أن يشكل فرصة لإعادة الاعتبار للديمقراطية الإدارية، من خلال توسيع صلاحيات المجالس المنتخبة، وتعزيز استقلاليتها، وتمكينها من القيام بدور تنموي حقيقي، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف بما يحقق توازناً أفضل بين وحدة الدولة ومتطلبات اللامركزية.
كما أن الإصلاح التشريعي المطلوب ينبغي أن يتجاوز المعالجات الشكلية أو الإجرائية ليصل إلى جوهر المسألة، وهو إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الإدارة المحلية. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى عندما يرى المواطن أن صوته الانتخابي قادر على التأثير في القرار، وأن ممثليه المنتخبين يمتلكون من الأدوات والصلاحيات ما يمكنهم من تحقيق الوعود والبرامج التي طرحوها أمام الناخبين.
وفي المحصلة، فإن تصريحات الحكومة بشأن تراجع الحماسة الشعبية تجاه الانتخابات المحلية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار تشريعياً وإدارياً، لا مجرد وصف لحالة انتخابية عابرة. فالمشكلة الحقيقية ليست في تراجع المشاركة بحد ذاتها، وإنما في الأسباب التي أدت إليها. وإذا كان مشروع تعديل قانون الإدارة المحلية يراد له أن يشكل خطوة إصلاحية حقيقية، فإن عليه أن ينطلق من تعزيز الديمقراطية الإدارية بوصفها الركيزة الأساسية للمشاركة الشعبية، وأحد أهم مقومات الدولة الديمقراطية الحديثة.
فحيث تكون الإدارة المحلية قوية وفاعلة، تكون الديمقراطية أكثر رسوخاً، وتكون المشاركة الشعبية أكثر حضوراً. أما حين تتراجع الديمقراطية الإدارية أو تُفرغ من مضمونها، فإن أولى النتائج تكون عزوف المواطن عن المشاركة وشعوره بأن صوته لم يعد قادرا على صناعة الفارق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 13:11