شطناوي يكتب: خطاب الدولة والشارع.. قراءة في جدل منشور وزارة البيئة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 10:53
أثار منشور وزارة البيئة الأردنية الأخير، الذي استخدم عبارة (استحوا) في سياق الحديث عن إلقاء النفايات، موجة واسعة من التفاعل والانقسام بين مؤيد يرى في العبارة صدقًا وصراحةً طال انتظارها، وبين معترض اعتبر أن مؤسسة رسمية لا ينبغي أن تخاطب المجتمع بهذه اللغة مهما بلغت درجة الاستفزاز أو الإحباط من السلوكيات السلبية. لكن ما حدث لم يكن مجرد (ترند) عابر، بل لحظة كاشفة تستحق أن تتوقف عندها مؤسسات الدولة بجدية. فالتفاعل الشعبي الكبير مع كلمة واحدة يؤكد أن المجتمع الأردني بات يتوق إلى خطاب حكومي أكثر قربًا ووضوحًا وجرأة، خطاب لا يكتفي بالتوعية التقليدية، بل يلامس وجدان الناس ويحفّزهم على المشاركة الفعلية في حماية المصلحة العامة. ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بطريقة صياغة منشور، بل بفرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسة الرسمية على أساس الشراكة والمسؤولية المشتركة.
ولعل الأهم من ذلك أن هذه الحادثة تكشف تحوّلًا مهمًا في مفهوم الاتصال الحكومي الحديث. فالمؤسسات الرسمية لم تعد تعمل داخل بيئة مغلقة كما كان الحال سابقًا، بل أصبحت جزءًا من فضاء رقمي سريع ومتقلب، تُقاس فيه فعالية الرسالة بقدرتها على الوصول والتأثير وتحريك النقاش العام. ولهذا فإن بعض الحكومات حول العالم بدأت تتجه نحو خطاب أكثر إنسانية وعفوية، لأن اللغة البيروقراطية التقليدية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في جمهور يعيش يوميًا داخل عالم سريع ومشحون بالمحتوى والانفعالات. غير أن الخطورة هنا تكمن في ضرورة التفريق بين القرب من الناس والانزلاق إلى الشعبوية. فالمؤسسة الرسمية حين تتحدث بلغة الشارع تكسب التفاعل، لكنها تخاطر أحيانًا بفقدان جزء من وقارها الرمزي وهيبتها المؤسسية. ولذلك فإن نجاح الخطاب الحكومي لا يقاس فقط بعدد المشاركات والإعجابات، بل بقدرته على إحداث تغيير سلوكي حقيقي دون الإضرار بصورة الدولة الرصينة.
ومن زاوية الإدارة العامة، فإن هذه الواقعة تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل ما زلنا نتعامل مع القضايا البيئية باعتبارها مجرد ملف خدمي، أم أننا بدأنا ندرك أنها قضية وعي وثقافة وسلوك جمعي؟ لأن أزمة النفايات في أي مجتمع لا ترتبط فقط بضعف الرقابة أو قلة الحاويات، بل ترتبط أيضًا بطبيعة العلاقة النفسية بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. فالمواطن الذي يشعر بالانتماء الحقيقي للشارع والحديقة والمدينة، لا يتعامل معها باعتبارها مساحة مؤقتة لرمي المخلفات، بل امتدادًا لصورته الشخصية وكرامته العامة.
ولعل ما يفسر حالة الانقسام الحاد في التعليقات أن فئة كبيرة من الناس رأت في كلمة (استحوا) نوعًا من الصدق المؤلم الذي يشبه صوت المواطن نفسه، لا صوت الوزارة. وكأن المؤسسة الرسمية، ولو للحظة، تخلّت عن لغتها الدبلوماسية الجامدة، وتحدثت بلسان الشارع المنهك من مشاهد التلوث والإهمال وتراجع الذوق العام. في المقابل، اعتبر آخرون أن المشكلة ليست في مضمون الرسالة، بل في الأسلوب. فالدولة بالنسبة لهم ليست مستخدمًا غاضبًا على منصة تواصل اجتماعي، بل كيان يفترض أن يحافظ على لغة متزنة حتى في لحظات الاستفزاز المجتمعي. وهذا الرأي لا يمكن تجاهله، لأنه يعكس خوفًا ضمنيًا من تحوّل الخطاب الرسمي إلى خطاب انفعالي يفتقر إلى العمق المؤسسي.
ومن الناحية النفسية، يمكن قراءة التعليقات باعتبارها مرآة لحالة أوسع من التوتر الاجتماعي المتراكم. فكثير من الناس لم يناقشوا قضية النفايات بحد ذاتها، بل أسقطوا عبر التعليقات شعورهم بالإحباط من قضايا أخرى تتعلق بالخدمات والضغوط الاقتصادية وضعف الثقة وغياب المساءلة المجتمعية. ولهذا جاءت بعض التعليقات حادة أو ساخرة أو سوداوية، لأن منصات التواصل أصبحت بالنسبة لكثيرين مساحة للتنفيس أكثر من كونها مساحة للنقاش العقلاني.
كما أن جانبًا مهمًا من التفاعل كشف عن ظاهرة اجتماعية عميقة تتمثل في ازدواجية السلوك العام. فالمجتمع يطالب دائمًا بخدمات أفضل ومدن أنظف، لكنه في الوقت نفسه يتسامح أحيانًا مع ممارسات يومية تساهم في تشويه الفضاء العام، سواء عبر رمي النفايات من المركبات أو ترك المخلفات في المواقع الطبيعية أو التعامل مع الشارع باعتباره مسؤولية جهة أخرى دائمًا. وهذا التناقض بين ما نطالب به وما نمارسه فعليًا هو أحد أكثر التحديات تعقيدًا في الإدارة البيئية الحديثة.
المشكلة الحقيقية ليست في كيس نفايات يُلقى من نافذة مركبة، بل في الفكرة التي تسبق ذلك الفعل؛ فكرة أن المكان العام لا يخص أحدًا. وهذه أخطر مرحلة قد تصل إليها أي مدينة، حين يفقد الإنسان شعوره بالانتماء تجاه الشارع الذي يمشي فيه، والرصيف الذي يقف عليه، والحديقة التي يجلس فيها أطفاله. فالنظافة ليست مجرد خدمة بلدية، بل انعكاس مباشر لمستوى الوعي والانتماء والثقافة المدنية.
ولعل ما يجب أن تدركه المؤسسات الرسمية أيضًا أن المواطن الأردني لم يعد يتفاعل مع الخطاب التقليدي المكرر. الناس اليوم تريد خطابًا صادقًا، ذكيًا، شجاعًا، لكنه في الوقت نفسه محترف ومدروس ويمنح المواطن شعورًا بأنه شريك في الحل لا مجرد متهم دائم بالفوضى. فالدولة الحديثة لا تبني علاقتها مع المجتمع على التوبيخ وحده، بل على خلق شعور جماعي بالمسؤولية والفخر والانتماء. كما أن أخطر ما كشفته التعليقات ليس الجدل حول كلمة (استحوا)، بل حجم القناعة لدى كثيرين بأن السلوك الخاطئ أصبح طبيعيًا ومعتادًا إلى درجة أن التذكير بأبسط قواعد الذوق العام بات يثير السخرية أو الحساسية. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ لأن تآكل الحس العام يبدأ دائمًا من التفاصيل الصغيرة التي نتوقف عن اعتبارها خطأ.
وإذا كانت كلمة واحدة قد نجحت في إشعال هذا القدر من النقاش، فهذا يعني أن المجتمع ما زال قادرًا على التفاعل، وأن الفرصة ما تزال قائمة لصناعة وعي جديد أكثر نضجًا. لكن هذه الفرصة تحتاج إلى خطاب حكومي يتجاوز ردود الفعل المؤقتة، ويتحول إلى مشروع وطني طويل الأمد يعيد تعريف معنى المواطنة والسلوك الحضاري في الفضاء العام.
ومن هنا، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في منشور غاضب ولا في حملة توعوية موسمية فقط، بل في بناء استراتيجية وطنية طويلة المدى تقوم على تغيير الثقافة العامة تجاه البيئة. ويمكن للحكومة أن تستثمر هذا الجدل الشعبي بطريقة ذكية، عبر إطلاق مبادرات تشاركية تستخدم التكنولوجيا والبيانات والتحفيز المجتمعي، مثل إنشاء منصات للإبلاغ عن مواقع التلوث، وربط النظافة العامة بمؤشرات أداء البلديات، وتخصيص حوافز للمناطق والمدارس والمجتمعات الأكثر التزامًا بالسلوك البيئي الحضاري.
قد يختلف الناس حول ما إذا كانت كلمة (استحوا) مناسبة لخطاب رسمي أم لا، لكن المؤكد أن المنشور نجح في كشف شيء أعمق من قضية النفايات نفسها. لقد كشف حجم التوتر الكامن في العلاقة بين المواطن والسلوك العام والمؤسسة الرسمية، وأثبت أن المجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين وغرامات، بل إلى خطاب ذكي يفهم ويعرف كيف يحول الشعور المؤقت بالحرج إلى ثقافة دائمة من الاحترام والانتماء والمسؤولية.
ولعل الأهم من ذلك أن هذه الحادثة تكشف تحوّلًا مهمًا في مفهوم الاتصال الحكومي الحديث. فالمؤسسات الرسمية لم تعد تعمل داخل بيئة مغلقة كما كان الحال سابقًا، بل أصبحت جزءًا من فضاء رقمي سريع ومتقلب، تُقاس فيه فعالية الرسالة بقدرتها على الوصول والتأثير وتحريك النقاش العام. ولهذا فإن بعض الحكومات حول العالم بدأت تتجه نحو خطاب أكثر إنسانية وعفوية، لأن اللغة البيروقراطية التقليدية فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير في جمهور يعيش يوميًا داخل عالم سريع ومشحون بالمحتوى والانفعالات. غير أن الخطورة هنا تكمن في ضرورة التفريق بين القرب من الناس والانزلاق إلى الشعبوية. فالمؤسسة الرسمية حين تتحدث بلغة الشارع تكسب التفاعل، لكنها تخاطر أحيانًا بفقدان جزء من وقارها الرمزي وهيبتها المؤسسية. ولذلك فإن نجاح الخطاب الحكومي لا يقاس فقط بعدد المشاركات والإعجابات، بل بقدرته على إحداث تغيير سلوكي حقيقي دون الإضرار بصورة الدولة الرصينة.
ومن زاوية الإدارة العامة، فإن هذه الواقعة تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل ما زلنا نتعامل مع القضايا البيئية باعتبارها مجرد ملف خدمي، أم أننا بدأنا ندرك أنها قضية وعي وثقافة وسلوك جمعي؟ لأن أزمة النفايات في أي مجتمع لا ترتبط فقط بضعف الرقابة أو قلة الحاويات، بل ترتبط أيضًا بطبيعة العلاقة النفسية بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه. فالمواطن الذي يشعر بالانتماء الحقيقي للشارع والحديقة والمدينة، لا يتعامل معها باعتبارها مساحة مؤقتة لرمي المخلفات، بل امتدادًا لصورته الشخصية وكرامته العامة.
ولعل ما يفسر حالة الانقسام الحاد في التعليقات أن فئة كبيرة من الناس رأت في كلمة (استحوا) نوعًا من الصدق المؤلم الذي يشبه صوت المواطن نفسه، لا صوت الوزارة. وكأن المؤسسة الرسمية، ولو للحظة، تخلّت عن لغتها الدبلوماسية الجامدة، وتحدثت بلسان الشارع المنهك من مشاهد التلوث والإهمال وتراجع الذوق العام. في المقابل، اعتبر آخرون أن المشكلة ليست في مضمون الرسالة، بل في الأسلوب. فالدولة بالنسبة لهم ليست مستخدمًا غاضبًا على منصة تواصل اجتماعي، بل كيان يفترض أن يحافظ على لغة متزنة حتى في لحظات الاستفزاز المجتمعي. وهذا الرأي لا يمكن تجاهله، لأنه يعكس خوفًا ضمنيًا من تحوّل الخطاب الرسمي إلى خطاب انفعالي يفتقر إلى العمق المؤسسي.
ومن الناحية النفسية، يمكن قراءة التعليقات باعتبارها مرآة لحالة أوسع من التوتر الاجتماعي المتراكم. فكثير من الناس لم يناقشوا قضية النفايات بحد ذاتها، بل أسقطوا عبر التعليقات شعورهم بالإحباط من قضايا أخرى تتعلق بالخدمات والضغوط الاقتصادية وضعف الثقة وغياب المساءلة المجتمعية. ولهذا جاءت بعض التعليقات حادة أو ساخرة أو سوداوية، لأن منصات التواصل أصبحت بالنسبة لكثيرين مساحة للتنفيس أكثر من كونها مساحة للنقاش العقلاني.
كما أن جانبًا مهمًا من التفاعل كشف عن ظاهرة اجتماعية عميقة تتمثل في ازدواجية السلوك العام. فالمجتمع يطالب دائمًا بخدمات أفضل ومدن أنظف، لكنه في الوقت نفسه يتسامح أحيانًا مع ممارسات يومية تساهم في تشويه الفضاء العام، سواء عبر رمي النفايات من المركبات أو ترك المخلفات في المواقع الطبيعية أو التعامل مع الشارع باعتباره مسؤولية جهة أخرى دائمًا. وهذا التناقض بين ما نطالب به وما نمارسه فعليًا هو أحد أكثر التحديات تعقيدًا في الإدارة البيئية الحديثة.
المشكلة الحقيقية ليست في كيس نفايات يُلقى من نافذة مركبة، بل في الفكرة التي تسبق ذلك الفعل؛ فكرة أن المكان العام لا يخص أحدًا. وهذه أخطر مرحلة قد تصل إليها أي مدينة، حين يفقد الإنسان شعوره بالانتماء تجاه الشارع الذي يمشي فيه، والرصيف الذي يقف عليه، والحديقة التي يجلس فيها أطفاله. فالنظافة ليست مجرد خدمة بلدية، بل انعكاس مباشر لمستوى الوعي والانتماء والثقافة المدنية.
ولعل ما يجب أن تدركه المؤسسات الرسمية أيضًا أن المواطن الأردني لم يعد يتفاعل مع الخطاب التقليدي المكرر. الناس اليوم تريد خطابًا صادقًا، ذكيًا، شجاعًا، لكنه في الوقت نفسه محترف ومدروس ويمنح المواطن شعورًا بأنه شريك في الحل لا مجرد متهم دائم بالفوضى. فالدولة الحديثة لا تبني علاقتها مع المجتمع على التوبيخ وحده، بل على خلق شعور جماعي بالمسؤولية والفخر والانتماء. كما أن أخطر ما كشفته التعليقات ليس الجدل حول كلمة (استحوا)، بل حجم القناعة لدى كثيرين بأن السلوك الخاطئ أصبح طبيعيًا ومعتادًا إلى درجة أن التذكير بأبسط قواعد الذوق العام بات يثير السخرية أو الحساسية. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ لأن تآكل الحس العام يبدأ دائمًا من التفاصيل الصغيرة التي نتوقف عن اعتبارها خطأ.
وإذا كانت كلمة واحدة قد نجحت في إشعال هذا القدر من النقاش، فهذا يعني أن المجتمع ما زال قادرًا على التفاعل، وأن الفرصة ما تزال قائمة لصناعة وعي جديد أكثر نضجًا. لكن هذه الفرصة تحتاج إلى خطاب حكومي يتجاوز ردود الفعل المؤقتة، ويتحول إلى مشروع وطني طويل الأمد يعيد تعريف معنى المواطنة والسلوك الحضاري في الفضاء العام.
ومن هنا، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في منشور غاضب ولا في حملة توعوية موسمية فقط، بل في بناء استراتيجية وطنية طويلة المدى تقوم على تغيير الثقافة العامة تجاه البيئة. ويمكن للحكومة أن تستثمر هذا الجدل الشعبي بطريقة ذكية، عبر إطلاق مبادرات تشاركية تستخدم التكنولوجيا والبيانات والتحفيز المجتمعي، مثل إنشاء منصات للإبلاغ عن مواقع التلوث، وربط النظافة العامة بمؤشرات أداء البلديات، وتخصيص حوافز للمناطق والمدارس والمجتمعات الأكثر التزامًا بالسلوك البيئي الحضاري.
قد يختلف الناس حول ما إذا كانت كلمة (استحوا) مناسبة لخطاب رسمي أم لا، لكن المؤكد أن المنشور نجح في كشف شيء أعمق من قضية النفايات نفسها. لقد كشف حجم التوتر الكامن في العلاقة بين المواطن والسلوك العام والمؤسسة الرسمية، وأثبت أن المجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين وغرامات، بل إلى خطاب ذكي يفهم ويعرف كيف يحول الشعور المؤقت بالحرج إلى ثقافة دائمة من الاحترام والانتماء والمسؤولية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 10:53