غضب وزارة البيئة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/30 الساعة 23:13
أثار الأسلوب الذي استخدمته وزارة البيئة في حملتها الأخيرة حول النفايات نقاشًا واسعًا بين مؤيد يرى أن اللغة كانت صادمة بالقدر المطلوب، ومعارض يعتبر أن اللغة المستخدمة لا تنسجم مع الخطاب الرسمي للمؤسسات الحكومية.
وبين الرأيين، القضية أعمق من مجرد اختيار كلمات حادة أو عبارات مباشرة، لأنها ترتبط بمدى فاعلية أدوات التوعية الحكومية وحدودها في مواجهة سلوكيات تكلّف الدولة والمجتمع أثمانًا باهظة.
من الصعب لوم وزارة البيئة على حالة الغضب التي انعكست في منشورها، فالمشاهد التي ظهرت بعد احتفالات الاستقلال، وما تضمنته من تراكم للنفايات في الشوارع والأماكن العامة، تمثل سلوكًا غير مسؤول يتكرر في مناسبات مختلفة رغم عشرات الحملات التوعوية والرسائل الإعلامية التي نُفذت خلال السنوات الماضية، كما أن الأرقام التي أعلنتها الوزارة تكشف حجم التحدي؛ فإدارة النفايات تكلف الأردن نحو 230 مليون دينار سنويًا، بينما تم تنفيذ أكثر من ألف حملة نظافة خلال أشهر قليلة بمشاركة عشرات الآلاف من المتطوعين وجمع مئات آلاف الأطنان من النفايات.
هذه الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست بيئية فقط، وإنما اقتصادية أيضًا، فكل دينار يُنفق على إزالة النفايات الناتجة عن سلوكيات فردية خاطئة هو دينار كان يمكن توجيهه إلى خدمات أو مشاريع تنموية أخرى، لذلك فإن حالة الاستياء التي عبّر عنها وزير البيئة ومؤسسات الوزارة يمكن فهمها في سياق الإحباط من استمرار الممارسات ذاتها رغم الجهود الكبيرة المبذولة لمعالجتها.
لكن في المقابل، تبقى المؤسسات الرسمية مطالبة بالحفاظ على خطاب متدرج ومدروس، ليس لأن المخطئين يستحقون المجاملة، وإنما لأن الرسائل الحكومية يجب أن تكون جزءًا من إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تغيير السلوك المجتمعي.
فالتوعية تبدأ بالإرشاد والتثقيف، ثم بالتحذير والتنبيه، وبعد ذلك بالردع وتطبيق القانون عند الحاجة، أما الاكتفاء بالصدمة اللفظية فقد يحقق انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق تغيير مستدام في السلوك.
التجربة الأردنية في قانون السير تقدم نموذجًا مهمًا في هذا المجال، فعلى مدار سنوات، اعتمدت الجهات المختصة حملات توعوية مكثفة حول مخاطر المخالفات المرورية والحوادث القاتلة، ثم جاء تعديل القانون وتشديد العقوبات على المخالفات الخطرة، والنتيجة كانت تراجعًا ملموسًا في العديد من المؤشرات المرتبطة بالحوادث الجسيمة، لأن الرسالة التوعوية اقترنت بأدوات ردع واضحة ومحددة.
الأمر ذاته يمكن تطبيقه على ملف النظافة العامة، فالتوعية وحدها لا تكفي، كما أن الغضب وحده لا يكفي، والمطلوب هو منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والإعلام والرقابة وتغليظ العقوبات على من يسيئون إلى الأماكن العامة، وعندما يدرك المواطن أن رمي النفايات سيقود إلى مخالفة حقيقية ومكلفة، فإن السلوك سيتغير بوتيرة أسرع من أي منشور مهما كانت حدته.
الجدل الذي أثارته وزارة البيئة قد يكون مفيدًا إذا تحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة أدوات التعامل مع هذه الظاهرة، فالقضية ليست في كلمة "استحوا" أو "عيب"، وإنما في كيفية بناء ثقافة عامة تجعل المحافظة على النظافة جزءًا من السلوك اليومي للمواطن، لا استجابة مؤقتة لحملة إعلامية أو مناسبة عابرة.
وبالمحصلة، نجاح أي سياسة عامة يقاس في النهاية بتغيير السلوك على الأرض، لا بعدد المشاهدات أو التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي.
وبين الرأيين، القضية أعمق من مجرد اختيار كلمات حادة أو عبارات مباشرة، لأنها ترتبط بمدى فاعلية أدوات التوعية الحكومية وحدودها في مواجهة سلوكيات تكلّف الدولة والمجتمع أثمانًا باهظة.
من الصعب لوم وزارة البيئة على حالة الغضب التي انعكست في منشورها، فالمشاهد التي ظهرت بعد احتفالات الاستقلال، وما تضمنته من تراكم للنفايات في الشوارع والأماكن العامة، تمثل سلوكًا غير مسؤول يتكرر في مناسبات مختلفة رغم عشرات الحملات التوعوية والرسائل الإعلامية التي نُفذت خلال السنوات الماضية، كما أن الأرقام التي أعلنتها الوزارة تكشف حجم التحدي؛ فإدارة النفايات تكلف الأردن نحو 230 مليون دينار سنويًا، بينما تم تنفيذ أكثر من ألف حملة نظافة خلال أشهر قليلة بمشاركة عشرات الآلاف من المتطوعين وجمع مئات آلاف الأطنان من النفايات.
هذه الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست بيئية فقط، وإنما اقتصادية أيضًا، فكل دينار يُنفق على إزالة النفايات الناتجة عن سلوكيات فردية خاطئة هو دينار كان يمكن توجيهه إلى خدمات أو مشاريع تنموية أخرى، لذلك فإن حالة الاستياء التي عبّر عنها وزير البيئة ومؤسسات الوزارة يمكن فهمها في سياق الإحباط من استمرار الممارسات ذاتها رغم الجهود الكبيرة المبذولة لمعالجتها.
لكن في المقابل، تبقى المؤسسات الرسمية مطالبة بالحفاظ على خطاب متدرج ومدروس، ليس لأن المخطئين يستحقون المجاملة، وإنما لأن الرسائل الحكومية يجب أن تكون جزءًا من إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تغيير السلوك المجتمعي.
فالتوعية تبدأ بالإرشاد والتثقيف، ثم بالتحذير والتنبيه، وبعد ذلك بالردع وتطبيق القانون عند الحاجة، أما الاكتفاء بالصدمة اللفظية فقد يحقق انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق تغيير مستدام في السلوك.
التجربة الأردنية في قانون السير تقدم نموذجًا مهمًا في هذا المجال، فعلى مدار سنوات، اعتمدت الجهات المختصة حملات توعوية مكثفة حول مخاطر المخالفات المرورية والحوادث القاتلة، ثم جاء تعديل القانون وتشديد العقوبات على المخالفات الخطرة، والنتيجة كانت تراجعًا ملموسًا في العديد من المؤشرات المرتبطة بالحوادث الجسيمة، لأن الرسالة التوعوية اقترنت بأدوات ردع واضحة ومحددة.
الأمر ذاته يمكن تطبيقه على ملف النظافة العامة، فالتوعية وحدها لا تكفي، كما أن الغضب وحده لا يكفي، والمطلوب هو منظومة متكاملة تجمع بين التعليم والإعلام والرقابة وتغليظ العقوبات على من يسيئون إلى الأماكن العامة، وعندما يدرك المواطن أن رمي النفايات سيقود إلى مخالفة حقيقية ومكلفة، فإن السلوك سيتغير بوتيرة أسرع من أي منشور مهما كانت حدته.
الجدل الذي أثارته وزارة البيئة قد يكون مفيدًا إذا تحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة أدوات التعامل مع هذه الظاهرة، فالقضية ليست في كلمة "استحوا" أو "عيب"، وإنما في كيفية بناء ثقافة عامة تجعل المحافظة على النظافة جزءًا من السلوك اليومي للمواطن، لا استجابة مؤقتة لحملة إعلامية أو مناسبة عابرة.
وبالمحصلة، نجاح أي سياسة عامة يقاس في النهاية بتغيير السلوك على الأرض، لا بعدد المشاهدات أو التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/30 الساعة 23:13