العتوم يكتب: موسكو مدعوة لحسم المعركة

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/29 الساعة 14:05
أقصد هنا معركة الحرب الأوكرانية شيوعا و انتشارا ، وهي التي بدأت شعلتها الأولى وسط الثورات البرتقالية عام 2007 ، و تطورت عبر انقلاب ( كييف ) عاصمة أوكرانيا عام 2014، بجهد التيار البنديري المتطرف ، القادمة جذوره عبر الجد – بانديرا - ، المحارب إلى جانب النازية الألمانية ، و أودلف هتلر في الحرب العالمية الثانية التي انتهت بإنتصار الاتحاد السوفيتي فيها عام 1945 بعد رفع العلم السوفيتي فوق مبنى الرايخ الألماني ( البرلمان ) . و امتدت الحرب هذه إلى الأمام بعد تدخل الاستخبارات الغربية ، وفي مقدمتها البريطانية و الأمريكية ، و دورسلبي متقدم لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ، و أخر لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق جو بايدن ، و إبنه هانتر بايدن . و تحول الحرب عبر الرئسين الأوكرانيين ( بيترو بارشينكا ، و فلاديمير زيلينسكي – الفنان الكوميدي الساخر سابقا – إلى شعبية استهدفت المكون الأوكراني ، و الروسي الرافض لأنقلاب ( كييف ) و مخرجاته ، استمرت ثماني سنوات عجاف ، راح ضحيتها الاف الأوكران و الروس ، مما دفع بالعاصمة موسكو لتوجيه ترتيب صناديق اقتراع تشمل ( القرم و الدونباس – لوغانسك ، و دونيتسك ) ، انتهت بنتيجة المطالبة بالحكم الذاتي ، و هو حق دستوري كفلته الأمم المتحدة من دون العودة لنظام ( كييف ) ، و بالتصويت المرتفعة نسبته المئوية لصالح الانضمام لروسيا الاتحادية ، و الدستور الروسي .

وحاولت موسكو اختصار طريق الحرب ، بالتوجه للسلام الذي يقبل به الطرفان المتحاربان بداية غرب و شرق أوكرانيا و جنوبها ، و لحماية المكون الديمغرافي الأوكراني و الروسي المتداخل ، و المتحدث باللغتين الأوكرانية ، و الروسية ، و باللغة الممزوجة بالأوكرانية و الروسية مناصفة ، و سط منطقة يمسى سكانها بالخاخول . فتم عقد اتفاقية مينسك ( 2015 ) ، و شاركت بها ( بيلاروسيا ، و روسيا ، و أوكرانيا ، و ألمانيا ، و فرنسا ) ، و سميت أيضا بإتفاقية النورمندي . لكن الغرب ، و بوجود الرئيس الأوكراني بيترو باراشينكا ماطلوا بتنفيذ أركانها ، و أرادوا لها أن تفشل لكي لا تخرج روسيا منتصرة ،وهي المنتصرة لا محالة لأنها لم تبدأ الحرب ، و لأنها الأقوى عسكريا وحتى بعد تدخل (الناتو) لصالح (كييف ) . و تصريح مستشارة ألمانيا أنجيليكا ميركل ، بأن بلادها رغبت بتجهيز أوكرانيا عسكريا لحرب مع روسيا قصمت ظهر البعير ، ووضعت النقاط على الحروف بإتجاه التوجه لحرب لامحالة .

ولم تحرك موسكو عمليتها العسكرية الخاصة الدفاعية ، التحريرية بتاريخ 24 شباط 2022 ، بقرار فردي أتوقراطي للرئيس فلاديمير بوتين كما يشاع في ( كييف ) ، و عواصم الغرب ، و إنما بقرار رئاسي روسي جماعي تقدمه الرئيس بوتين بتوشيح توقيعه . وتم الإرتكاز على مادة ميثاق الأمم المتحدة رقم 751 التي تخول للدولة المعتدى على سيادتها الدفاع عن النفس .

و تمسكت موسكو بورقة السلام عبر أنقرة ، و اسطنبول 2022 / 2025 / 2026 التي أحبطها الغرب ، و اقتصرها على تبادل الأسرى و القتلى . و بذل فلاديمير ميدينسكي مستشار الرئيس بوتين جهودا مضنية وقتها ، قابله رئيس الوفد الأوكراني رستم أوميروف بجهد اتسم بالتواصل مع الاتحاد الأوروبي سرا و علنا .

و بالمناسبة عندما دخلت أوكرانيا الاتحاد السوفيتي عام 1922 ، كانت عارية من القرم و الدونباس ، و منحا لها من قبل روسيا بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي ، و استقلال أوكرانيا عام 1991 ، شريطة الالتزام بإتفاقية ( تفكيك الاتحاد السوفيتي ) التي نصت على وجوب عدم عقد تحالفات عسكرية مع أحلاف معادية مثل حلف ( الناتو ) . وسبق لروسيا أن عرضت دخول ( الناتو ) عام 2000 بوجود الرئيس بوتين ، بهدف لجم الحرب الباردة و سباق التسلح ، و التفرغ لتجهيز العالم لتوجه تعددية الأقطاب ، العادل و المتوازن ، و الرافض لتغول احادية القطب ، و البحث عن الاستقرار العالمي ، و ردم الحروب .

ربما لم يكن في حسابات موسكو واردا وقوف الغرب كاملا ، أي خمسون دولة ، إلى جانب نظام ( كييف ) ،ليس من أجل السيادة الأوكرانية كما أدعوا و لا يزالوا ، و إنما لتحقيق نجاحات جديدة ( للناتو ) ، و لمماحكة روسيا ، و لمنعها من النهوض اقتصاديا و عسكريا . لكن روسيا حافظت على اتزانها ، و احتلت الرقم 1 عالميا في قوة النار النووية عبر جيشها و بحريتها ، و الرقم 1 على اقتصاد أسيا ، و أصبحت عضوا فاعلا في منظمتي ( البريكس ، و شانغاهاي ) ، و قادت ، و بنجاح ملاحظ مسار تعددية الأقطاب الذي يغطي مساحات جغرافية ، و ديمغرافية شرق و جنوب العالم ، مع ابقاء الأبواب مشرعة أمام الغرب ، و تمكنت من الاقتراب من الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب الثاني ، و اقناعها بموقفها العادل ، و المرتكز على القانون الدولي في الحرب الأوكرانية .

و في الاقتراب الروسي من أمريكا فرصة للعودة لنظام ( سويفت ) المالي خدمة لزوار روسيا و لرجال الأعمال فيها . فكيف بالإمكان لروسيا أن تسمح ( للناتو) أن يقترب من أراضيها ، و من أوكرانيا جنوبا ، وهي التي منعته سابقا عام 1979 من دخول أفغانستان ؟

لقد صعد نظام ( كييف ) من لهجته العدائية ضد موسكو مرتان دون حسبة دقيقة و صحيحة لفارق القوة العسكرية لصالح موسكو ، فهددت بقصف العرض العسكري في الساحة الحمراء في يوم النصر على الفاشية تارة ، و تسببت مباشرة في مقتل 21 طفلا روسيا مدرسيا في مدينة (ستاروبيلسك ) وسط إقليم لوغانسك ،

جنوب موسكو العاصمة ، و التي هي جريمة حرب بشعة يندى لها الجبين ، و غير مبررة أكيد ،و تتطلب من المجتمع الدولي ادانتها بشجاعة . و موسكو توجه أصابع الاتهام لإيلون ماسك الميلياردير الأمريكي المعروف بتحريك المسيرات عبر أوكرانيا لقتل المدنيين الروس كما سمعت . وقابلت موسكو التهديدان ، ومنها حادثة ( كييف ) النكرة المؤسفة مع الاطفال الروس ، بتهديد العاصمة ( كييف ) عبر ضرب وسطها ، و الثأر للأطفال الروس ، و نفذت ضربتها الأولى مع تسجيل حالات قتل مواطنين أوكران بصورة محدودة عشوائية ، غير مقصودة ، و هي حقيقة . ثم صعدت موسكو خطابها السياسي، و الإعلامي بالشروع بقصف ( كييف ) مجددا ، و بصورة متكررة ، ومنظمة ، مع الطلب من الممثليات مغادرة العاصمة ( كييف ) الأجنبية المستمر على المدنيين الروس في كافة العمق الروسي الواسع و بتوجيه خفي للاتحاد الأوروبي ، لكنه مكشوف لروسيا. و المطلوب الان و ليس غدا من موسكو العاصمة التوجه لحسم المعركة وسط الحرب الأوكرانية الجارية ، و عدم الأكتفاء بتوجيه ضربات تأديبية ، تكتيكية ، وقائية. و لا مخرج لموسكو من غير توجيه الجيش الأحمر لأجبار ( كييف ) على رفع الرايات البيضاء فوق مبنى الرئاسة الأوكرانية . وحدث الرايخ الألماني عام 1945 بالنسبة للروس و السوفييت ليس بعيدا عن الذاكرة .

النازية الهتلرية ، الموسيلينية ، التي ظهرت في القرن الماضي ، نلاحظها تكرر نفسها في إسرائيل عبر حروبها مع الفلسطينيين الأشقاء ، المناضلين ، و القابضين على الجمر ، ومع العرب ، وفي غرب أوكرانيا ، و عبر تطاولات نظام أوكرانيا المتطرف ،و بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي حاليا على الإنسان الروسي المدني ، هروبا من ميادين القتال الساخة ، ووجها لوجه مع الجيش الروسي ، و بحريته ، المجهز بالسلاح الكافي القوي للدفاع عن الوطن و الإنسان الروسي ،وفي مقدمته الصواريخ الباليستية الاستراتيجية - الثالوث النووي ( فوريقودا ، و توبل ، و يارس )، ليوم قد تندلع فيه حرب أكبر مع ( الناتو ) لا سمح الله ، ولايريدها الروس، و في زمن تواصل موسكو سعيها لترسيخ السلام ، و التنمية الشاملة ، ليس مع أوكرانيا فقط ، و إنما فوق خارطة الأرض كلها . وليس أمام الاتحاد الأوروبي فرصة غير رفع يده عن الحرب الأوكرانية ، ومغادرة ( كييف ) العاصمة ، تماما كما فعلت أمريكا – ترامب رسميا التي فتحت الحوار مع روسيا – بوتين ، و للحديث بقية .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/29 الساعة 14:05