التطرّف لا يُهزم بالقوّة وحدها… بل ببناء العقل والوعي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/29 الساعة 14:01
مدار الساعة - الدكتور عباس حيدر (النهار اللبنانية) -
ليست ظاهرة التطرّف مجرّد انحرافٍ في السلوك، بل هي في جوهرها أزمةٌ في الوعي، واختلالٌ في طريقة فهم الإنسان لنفسه وللآخر وللحقيقة. فحين يعتقد الفرد أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأنّ الآخرين مجرّد خطأ يجب إلغاؤه، تبدأ بذور التشدّد بالنموّ داخل الفكر قبل أن تظهر في اللغة أو السلوك.
إنّ المجتمعات لا تُبنى فقط بالقوانين والإجراءات الأمنية، بل تُبنى أيضاً بمنظومة فكرية وتربوية تحمي الإنسان من الانغلاق والتعصّب والكراهية. فكلّ تطرّف يبدأ بفكرة، وكلّ اعتدال يبدأ أيضاً بفكرة. لذلك فإنّ المواجهة الحقيقية للتطرّف لا تكون فقط في ردع نتائجه، بل في معالجة أسبابه الفكرية والنفسية والتربوية.
ومن أهمّ الحلول الفكرية التي ينبغي أن تتوفّر داخل المجتمع ترسيخ ثقافة التفكير النّاقد. فالعقل الذي يتعلّم كيف يسأل، وكيف يناقش، وكيف يتحقّق من المعلومات، يصبح أقلّ قابلية للانجرار خلف الخطابات المتشنّجة أو الأفكار المغلقة. إنّ تعليم الإنسان كيف يفكّر أهمّ أحياناً من تعليمه ماذا يفكّر. فالتفكير النّاقد لا يعني التمرّد على القيم، بل يعني القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الرأي والحقيقة المطلقة، وبين الإيمان الواعي والتعصّب الأعمى.
كما أنّ من أخطر ما يُنتج التطرّف هو وهم امتلاك الحقيقة الكاملة. فالحقيقة أوسع من إدراك الأفراد والجماعات، والإنسان مهما بلغ من العلم يبقى محتاجاً إلى الحوار والمراجعة والتواضع الفكري. إنّ الاعتراف بإمكان الخطأ ليس ضعفاً، بل نضجٌ أخلاقي وفكري. والمجتمع الذي يربّي أبناءه على أنّ الاختلاف تهديد، سينتج أفراداً يخافون الحوار ويلجؤون إلى الإلغاء بدل الفهم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى معايير تربوية وأخلاقية تُصاغ في سلوك الأفراد والمؤسسات، من أبرزها:
احترام التعدّدية الفكرية والثقافية والدينية.
التفريق بين نقد الفكرة وإهانة الإنسان.
تعزيز ثقافة الحوار بدل ثقافة الصراخ.
تدريب الأفراد على الاستماع لا على ردّ الفعل السريع.
بناء وعي إعلامي يحمي الناس من التضليل والتحريض.
ترسيخ قيمة العدالة، لأنّ الظلم يولّد الغضب والانغلاق.
تنمية الحسّ الإنساني الذي يرى في الآخر شريكاً في الحياة لا خصماً دائماً.
إنّ المدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، جميعها تتحمّل مسؤولية مشتركة في بناء إنسان متوازن نفسياً وفكرياً. فالإنسان الذي يشعر بالأمان الفكري والانتماء والكرامـة، يكون أقلّ انجذاباً إلى الأفكار المتطرّفة التي تقوم غالباً على الخوف والكراهية والشعور بالإقصاء.
لقد أصبح العالم اليوم أكثر حاجة إلى عقول هادئة لا إلى أصوات مرتفعة، وإلى وعيٍ قادر على الفهم لا إلى انفعالات سريعة. فالتطرّف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية إنسانية المختلف عنه.
إنّ حماية المجتمع تبدأ من تربية الإنسان على السؤال، والحوار، والتواضع الفكري، والإيمان بأنّ الحقيقة لا تُخدم بالكراهية، وأنّ الأوطان لا يحفظها التعصّب، بل يحفظها العقل، والوعي، والعدالة، والقدرة على العيش المشترك.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/29 الساعة 14:01