بني سلامة يكتب: الوصاية الهاشمية على القدس… خط أحمر لا يقبل المساومة

أ.د. محمد تركي بني سلامة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/27 الساعة 21:24
ليست الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مجرد عنوان سياسي عابر، ولا ورقة تفاوض قابلة للأخذ والرد، بل هي مسؤولية تاريخية ودينية وقومية حملها الهاشميون منذ عام 1924 وحتى يومنا هذا، ودفعوا في سبيلها أثمانًا باهظة، حفاظًا على هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية، وصونًا للمسجد الأقصى المبارك من محاولات التهويد والطمس والتغيير.

فعلى مدار أكثر من قرن، لم تكن الوصاية الهاشمية شعارًا إعلاميًا، بل ممارسة فعلية على الأرض. فقد قام الهاشميون بإعمار المسجد الأقصى المبارك أكثر من مرة، ورعوا المقدسات الإسلامية والمسيحية بكل مسؤولية وإخلاص، في وقت تخلى فيه كثيرون أو عجزوا عن أداء هذا الدور التاريخي. ومن يتابع حجم المشاريع الهاشمية في القدس يدرك أن الأردن لم يتعامل يومًا مع القدس باعتبارها قضية سياسية فقط، بل باعتبارها قضية عقيدة وهوية وكرامة أمة بأكملها.

اليوم، ومع تسريب معلومات خطيرة كشفها موقع Middle East Eye تتحدث عن مخططات أمريكية إسرائيلية تستهدف تقويض الوصاية الهاشمية، ومحاولة فرض واقع جديد على المسجد الأقصى المبارك تحت ذرائع مختلفة، فإن المطلوب من الجميع أن يدرك أن المسألة أخطر بكثير مما قد يتصوره البعض. فهذه ليست قضية إدارية أو تنظيمية، بل محاولة لإعادة تشكيل هوية القدس ومكانتها التاريخية والدينية، وفتح الباب أمام صراع ديني وسياسي لن تتوقف تداعياته عند حدود فلسطين أو الأردن، بل ستمتد إلى المنطقة بأسرها.

إن الوصاية الهاشمية ليست مجرد عرف تاريخي، بل هي جزء أساسي وواضح من معاهدة السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، والتي اعترفت بالدور الأردني الخاص في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس. وبالتالي، فإن أي محاولة للمساس بهذه الوصاية تمثل عمليًا نسفًا لاتفاقية السلام ذاتها، وضربًا لأسس الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.

وعلى من يظن أن الأردن قد يقبل بتجاوز دوره التاريخي أن يقرأ جيدًا تاريخ الدولة الأردنية وقيادتها الهاشمية. فالأردن لم يكن يومًا دولة هامشية أو قابلة للابتزاز في القضايا المصيرية. وللتذكير فقط، عندما تعرض القيادي الفلسطيني خالد مشعل لمحاولة اغتيال في عمّان عام 1997، وضع المغفور له الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، معاهدة السلام في كفة، وحياة خالد مشعل في كفة أخرى، فانحازت الكفة إلى كرامة الأردن وسيادته، واضطرت إسرائيل حينها للتراجع والاستجابة للشروط الأردنية. وهذه القصة يعرفها الجميع جيدًا.

واليوم، فإن الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، حفظهما الله، لن يقبل تحت أي ظرف كان المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ولن يسمح بتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، مهما كانت الضغوط أو التحديات.

كما أن الأردن ليس وحده في هذه المعركة. فإلى جانبه أشقاؤه العرب والمسلمون، وأصدقاؤه في الشرق والغرب، ممن يدركون خطورة العبث بالقدس ومقدساتها، ويفهمون أن استقرار المنطقة يبدأ من احترام الحقوق التاريخية والدينية والسياسية للشعوب، لا من فرض الوقائع بالقوة والغطرسة.

ويبقى السؤال الأهم: هل يدرك الحلفاء الأمريكيون، بقيادة دونالد ترامب وفريقه، حساسية هذه الملفات وخطورة العبث بها؟ أم أنهم سيمضون في سياسات تفقد الولايات المتحدة ما تبقى من مصداقيتها في المنطقة، وتجعلها حليفًا لا يمكن الوثوق به؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب عن هذا السؤال. لكن المؤكد أن القدس ليست للبيع، وأن الوصاية الهاشمية ليست موضع مساومة، وأن الأردن عندما يتعلق الأمر بالقدس، يعرف جيدًا كيف يحمي حقوقه وثوابته، مهما كانت التحديات.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/27 الساعة 21:24