ما هي الصورة الذهنية التي قدمها خطاب القائد الأعلى في الذكرى 80 لاستقلال الأردن.. الباشا الرقاد يكتب

اللواء الركن (م) الدكتور محمد خلف الرقاد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 21:19
لقد جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن محطة سياسية ووطنية ذات دلالات وأبعاد عميقة، ليس فقط لارتباطه بمناسبة تاريخية مفصلية عبقت أيامها ولياليها بالحقائق والمنجزات ، وجسدت كل مظاهر الدولة الحديثة المتكئة على عمق الإيمان بالله والتمسك بأهداب عقيدتنا الإسلامية السمحة ، وعلى الإرث الطيب الذي ورثه الأردنيون بقيادتهم الهاشمية الحكيمة السمحة ، وعلى الحداثة والقدرة على التكيف في التعامل مع قضايا الوطن على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الداخل الوطني والخارج الإقليمي والدولي.. لا بل لأنه جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها التحديات الأمنية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية.

لقد بدأ الخطاب بصياغة جديدة أعادت بكل ثقة تعريفًا متطورًا لمفهوم الاستقلال، بحيث لا يقتصر على التحرر السياسي التقليدي فقط ، بل يمتد إلى استقلال الإرادة الوطنية، وصلابة الدولة، وثقة المجتمع بمؤسساته، وقدرته على الصمود في بيئة إقليمية ودولية بعامة وفي منطقة الشرق الوسط بخاصة.

فعلى صعيد البعد الفكري والسياسي للخطاب، قدم جلالة الملك مفهوم الاستقلال باعتباره “حالة مستمرة من البناء والحماية والإنجاز”، وليس مجرد ذكرى تاريخية مرتبطة بعام 1946 الذي حصلت فيه المملكة الأردنية الهاشمية على الاستقلال، حيث ركز الخطاب على أن الاستقلال الحقيقي يقاس بقدرة الدولة على حماية حدودها، والحفاظ على وحدتها الداخلية، وصون قرارها السيادي رغم الضغوط والتحولات الإقليمية ، فعندما أكد جلالته أن “الأردن حافظ على حدوده وأمنه ، وواصل مسيرته الديمقراطية ،وجنب اقتصاده آثار الأزمات”، فإنه كان يربط بين الاستقلال والسيادة المؤسسية والاستقرار الوطن وتماسك الجبهة الداخلية .

لقد ركز جلالة الملك في خطابه على ترسيخ مفهوم “الاستقلال الشامل”، الذي يجمع بين الأمن الوطني، والتنمية الاقتصادية، والهوية الوطنية الجامعة، والقدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل، مما جعل الشعب الأردني أكثر ثقة بهذا الطرح الذي يعكس فهمًا استراتيجيًا أكثر تطورًا لفهم طبيعة الدولة الحديثة ، والتكيف مع متطلبات كل المراحل ، حيث لم يعد الاستقلال في مفهوم جلالة الملك مجرد غياب للاستعمار فقط ، بل انه امتلاك لأدوات الصمود والتأثير والاستمرارية في عالم قلق يعج بالأحداث السياسية والعسكرية والأمنية والسعي لتعدد القطبية ، حيث تتكرس التنافسية الدولية من خلال سعي كل دولة لتعزيز هيمنتها في ظل ظروف تتنوع فيها المساعي لإيجاد عالم متعدد الأقطاب بدلًا من هيمنة القطب الواحد ، وتشتد فيها الاضطرابات والصراعات والحروب الإقليمية والأهلية في مناطق متعددة من العالم ، وفي ظل قصور القوانين والأعراف الدولية وعدم التمكن من فرضها لردع بعض الدول المتنمرة في العالم .

أما على مستوى العلاقة بين النظام السياسي والشعب، فقد حمل الخطاب بعدًا عاطفياً وسياسياً بالغ الأهمية، إذ استخدم جلالة الملك لغة وجدانية قريبة من المواطن وباللهجة الأردنية، حيث جاءت قائمة على مفردات معبرة ذات معان ودلالات وأبعاد مهمة تحرك الوجدان الأردني مثل : “العائلة الأردنية” و” الثقة بالأردنيين” و” الاعتزاز بالإنسان الأردني”. مما يجعل هذا النمط من الخطاب أكثر تأثيرًا وعمقَا في نفسية المواطن الأردني ، مما يقود إلى مزيد من التعزيز للشرعية السياسية القائمة على التلاحم بين القيادة والشعب، ويعيد إنتاج مفهوم “العقد الوطني” الذي يقوم على الثقة المتبادلة والمسؤولية المشتركة. ، حيث عكست عبارة جلالة الملك في هذا الخطاب العميق تطويرًا جديدًا وبُعدًا أكثر تجذرًا ومكانة أبلغ لمفهوم العقد المبرم ما بين الشعب والنظام السياسي المتمثل بالقيادة الهاشمية الراشدة حيث قال جلالته في ختام الخطاب : " نمضي أكثر إيمانًا ، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بالأردن وأبنائه ، واقول لعائلتي الأردنية : بيننا عهد يحفظ في الصدور ، لله أعلم به من كل قول" ، يا له من ختام رائع يخاطب وجدان كل الأردنيين، وسيبقى منقوشًا على جدران القلوب المؤمنة المخلصة الموالية والمنتمية لتراب الأردن الطهور ولقيادته الهاشمية الفذّة .

أما على صعيد متانة الثقة بين المواطن والدولة ومكانة المواطن في معادلة قوة الدولة الأردنية والأمن والاستقرار فيها وتماسك الجبهة الداخلية داخل المجتمع الأردني ، فقد برزت بوضوح في حديث جلالته من خلال تعبيره وثقته بالأردنيين حيث يقول : “ أكتاف أبناء الأردن العراض لا تصغر”، وهي عبارة تحمل دلالة رمزية عميقة، تؤكد أن الدولة ترى في المواطن مصدر القوة الحقيقية، لا بل والعنصر الأكثر أهمية في معادلة عناصر قوة الدولة ، وأن التحديات مهما تعاظمت لا يمكن أن تكسر الإرادة الوطنية الأردنية .

أما على الصعيد السياسي ، فيمكن قراءة الخطاب باعتباره رسالة داخلية وخارجية في آن واحد. داخلياً، حيث سعى الخطاب إلى تعزيز الثقة الوطنية في ظل التحديات الاقتصادية والإقليمية، والتأكيد أن الأردن ما يزال قادرًا على الحفاظ على استقراره ومؤسساته، كما حمل الخطاب دعمًا واضحًا لمسار التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، عبر التأكيد على استمرار الدولة في مسيرتها الديمقراطية والتنموية رغم الأزمات.

وعلى الصعيد الخارجي ، فقد تضمن الخطاب رسائل سيادية واضحة مفادها أن الأردن دولة مستقرة تمتلك قرارها الوطني المستقل، وقادرة على حماية مصالحها وسط محيط إقليمي عامر بالاضطراب وقابل للاشتعال في أية لحظة، كما عرّج جلالته في خطابه التاريخي الذي خاطب فيه ضمائر ووجدان الأردنيين على أن الهوية العربية للأردن واضحة وبيِّنة حيث وصف جلالته الأردن بأنه “عروبي الهوى” مما يعكس ويشير بقوة إلى استمرار الدور الأردني في القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، بوصفها جزءًا من الأمن الوطني الأردني والهوية السياسية للدولة الأردنية على اعتبارها مصلحة وطنية عليا أردنية .

أما على صعيد البعد الاجتماعي، فقد ركز الخطاب على فكرة الوحدة الوطنية الجامعة، بوصفها الركيزة الأساسية لاستمرار الدولة، فالاحتفاء بالمؤسسات الوطنية والشخصيات الأردنية خلال المناسبة لم يكن مجرد تكريم بروتوكولي، بل رسالة تؤكد أن بناء الدولة هو نتاج شراكة مجتمعية شاملة بين المواطنين والقيادة والمؤسسات الوطنية .

وعلى صعيد القيم الأردنية فقد أعاد الخطاب الاعتبار لقيم التضامن والكرامة والعمل والإنتاج، وهي قيم يسعى النظام السياسي الأردني إلى ترسيخها في مواجهة تحديات الهجوم على السياسات الوطنية الأردنية والتأثيرات الثقافية والإعلامية العابرة للحدود ، حيث لم يعد حدث الاستقلال احتفالًا سنويًا عابرًا بل تنصهر في بوتقته كل الجهود لرفعة وسمو الأردن وتماسك وحدته الوطنية وترسيخ الصورة الذهنية الإيجابية للأردن لدى الجماهير المستهدفة والأشقاء والأصدقاء والحلفاء من دول العالم والمنظومات الدولية المختلفة .

أما على صعيد البعد العسكري والأمني في الخطاب، فقد كان حاضرًا بصورة مضمنة وعميقة ،حيث يشير ذلك بقوة إلى أن حماية الحدود وصون الأمن والاستقرار تعكس إدراك القيادة الأردنية لحجم التهديدات المحيطة بالدولة، سواء المرتبطة بالإرهاب، أو الفوضى الإقليمية، أو التهديدات السيبرانية والإعلامية الحديثة، ومن خلال استحضار رمزية القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في احتفالات الاستقلال، حيث يرسخ الخطاب معادلة أساسية مفادها أن الأمن الوطني هو أساس التنمية والاستقلال والسيادة.

أما على الصعيد المعنوي والإعلامي، فقد حمل الخطاب في ثناياه بُعدًا استراتيجيًا يتعلق بالحرب الإعلامية والمعنوية؛ إذ سعى إلى رفع الروح الوطنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات والدولة في وقت تتعرض فيه السياسات الأردنية لحملات تشويه للدور الأردني وتحميله على أبعاد من التفسيرات بعيدة كل البعد عن المقاصد الأردنية النظيفة الشريفة العروبية ، والتي تتم من خلال استقطاب غير منصف لا بل يصل إلى حد الظلم عبر الفضاء الإعلامي والرقمي ، ومن هنا نقرا ونفهم أنّ الخطاب الملكي شكّل بُعدًا متميزًا في “إدارة الصمود الوطني”، التي تستخدم الرمزية الوطنية والخطاب السياسي لتعزيز التماسك الداخلي.

في الختام ، يمكن القول إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في عيد الاستقلال الثمانين لم يكن خطاب احتفال تقليديًا، بل خطاب دولة ورؤية استراتيجية، فقد طوّر تعريفات مفاهيم الاستقلال باعتباره مشروعًا وطنيًا مستمرًا يقوم على السيادة، والهوية، والاستقرار، والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب. إضافة لما قدمه الخطاب من قراءة أردنية خاصة ومعمّقة لمفهوم الدولة الأردنية الحديثة ودورها الاستراتيجي ، وقدّمها على أسس ومبادئ توضح أنها : دولة متماسكة، معتدلة، قادرة على التوازن بين الأمن والانفتاح، وبين الثبات والتحديث، وبين الشرعية التاريخية ومتطلبات المستقبل، وعلى أنها سريعة الاستجابة لمتطلبات الأمن الوطني الأردني والعربي والإنساني الدولي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 21:19