الرداد يكتب: لماذا تحول عيد الاستقلال إلى 'مقاومة ثقافية' في الوجدان الأردني؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 21:37
لم تعد احتفالات الأردنيين بعيد الاستقلال مجرد طقس بروتوكولي أو محطة عابرة لالتقاط الصور ورفع الأعلام في الميادين، حيث يلحظ المتابع منذ سنوات قليلة تحولها إلى ما يشبه "الاستنفار الهُوياتي الشامل" الذي يتسع رقعة وزخماً عاماً بعد آخر، ولا شك ان التوسع اللافت في مظاهر البهجة الشعبية والرسمية، بعيدا عن التشكيك "المعلب" يطرح تساؤلاً أعمق يتجاوز حدود الفرح، فهل هناك مسكوت عنه مخبوء خلف هذه الاحتفالات الضخمة،وهل هو إحساس جمعي متنامٍ بخطر يحيط بالهوية الوطنية الأردنية،فقد أضحت الساحات العامة، وشوارع العاصمة والمدن والارياف الاردنية، منصات غير مشفرة تبث رسائل سياسية وسيادية شديدة اللهجة نحو الخارج والداخل على حد سواء.
ولعل من نافلة القول ان المشهد الأردني ليس معزولا عن محيطه الجيوسياسي الملتهب، فالأردن يجد نفسه جغرافياً وسياسياً في قلب أعنف أزمات الشرق الأوسط، ويواجه مواطنوه تياراً مستمراً من الخطابات الصادرة عن اليمين الإسرائيلي المتطرف، والتي تحاول بين الحين والآخر إحياء أوهام "الوطن البديل" أو الحديث عن تصفية القضية الفلسطينية على حساب الجغرافيا والديمغرافيا الأردنية، ناهيك عن تصريحات حول إسرائيل الكبرى، وهو ما يجعل مستويات تحليل تتوقف عند التشبيك بين "قلق الهوية" مع "زخم الاحتفال" ترجمة لمقاربات في علم النفس الاجتماعي،حيث "تفترض نظرية ادارة الخوف أن التهديدات الوجودية (سواء كانت سياسية، عسكرية، أو اقتصادية) تثير قلقاً غريزياً عميقاً لدى الأفراد،ولتجاوز هذا الخوف، يلجأ العقل الباطن للتمسك بالهوية الثقافية" والرموز السيادية (مثل العلم) كدرع نفسي يمنح شعوراً بالخلود والانتماء، مما يوفر طمأنينة جماعية" ، وهو ما يفسر رفع العلم الأردني بكثافة غير مسبوقة، ارتداء الشماغ المهدب والأثواب التراثية، وإحياء الأغاني الوطنية القديمة والجديدة، كلها لا تقف عند حدود الاحتفال، بل هي إعلان جماعي حاسم بالهوية الوطنية للدولة الأردنية، وحسم مطلق لنقاشات السيادة التي يحاول الخارج العبث بها،وهي عملية "إعادة إنتاج الهوية" وتثبيتها في وعي الأجيال الشابة ككيان صلب غير قابل للمساومة أو التذويب.
وبموازاة الخطر الخارجي، فان التوسع في الاحتفال يشكل استجابة داخلية ملحة لتمتين الجبهة الداخلية، فالمجتمع الأردني عبر هذه المهرجانات الوطنية الممتدة يرسل رسالة لا مراء فيها بصهر أية هويات فرعية في بوتقة "الهوية الوطنية الأردنية"، ففي ذكرى الاستقلال، تتلاشى الفوارق الجغرافية والعشائرية والمنابت، ليصبح الفضاء العام ملكاً لسردية وطنية واحدة وعصية على الاختراق، وينبغي التوقف هنا عند ملاحظة ان الخطاب الوطني، اعاد انتاج ذكرى الاستقلال من مجرد استذكار لحدث سياسي وعسكري وقع عام 1946، إلى معركة وعي ثقافي وحضاري، فهناك تركيز لافت من المؤسسات الأهلية والرسمية على حماية السردية التاريخية للأرض والآثار، والتأكيد على عمق الجذور التاريخية للأردن، وهو رد مباشر على محاولات التشكيك في تاريخ الدولة أو تصويرها ككيان طارئ على الجغرافيا.
وبالتزامن مع ما يمكن وصفه بـ قلق الهوية الدفاعي،يكتسب الاستقلال هذا العام زخماً استثنائياً لتزامنه مع الذكرى الثمانين لتأسيس المملكة وصون استقلالها، مما جعل التحضيرات الكرنفالية، والعروض الجوية لـ"صقور الأردن الملكية"، والفعاليات الفلكلورية تأخذ طابعاً تنظيمياً غير مسبوق بتنسيق مشترك بين القطاعين العام والخاص،كما ان تتبنى الدولة عبر أجهزتها المختلفة (وزارات الثقافة والشباب والاتصال الحكومي) إستراتيجية تنظيم فعاليات ضخمة تهدف لتخفيف الضغوط النفسية والاقتصادية المتراكمة على المواطنين نتيجة الظروف الإقليمية، وتوليد طاقة إيجابية تعزز قيم "المواطنة الفاعلة" والتلاحم بين القيادة والشعب.ولا شك ان الدولة تستثمر هذه المناسبة الجماهيرية لبعث رسائل ثقة، فرغم الأزمات المحيطة، يصر الأردن على المضي قدماً في مسارات التحديث السياسي (عبر البرلمان والحياة الحزبية الجديدة) والتحديث الاقتصادي والخدمي، والاحتفال هنا هو استعراض لقدرة الدولة على البناء والابتكار ومواكبة المستقبل وسط بيئة إقليمية مضطربة.
إن ما يشهده الشارع الأردني في عيد الاستقلال ليس مجرد احتفالات عابرة، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية والسيادية العكسية، واعتقد ان الاردنيين أدركوا مبكراً أن حماية دولتهم لا تتم فقط بالخيار العسكري والأمني، وإنما بتحصين الوعي الجمعي،وتمتين النسيج الاجتماعي وتعميق الارتباط بالرموز الوطنية،فتوسع الاحتفالات وشمولها جغرافيا المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن غربها الى شرقها، هو الجواب الوطني الحاسم على كل سيناريوهات القلق، وهو رسالة واضحة لكل من يراقب المشهد من خارج الحدود بأن هذه الدولة التي صمدت عقوداً طويلة في وجه العواصف، تزداد تماسكا ووحدة وثباتا كلما اشتدت الرياح، وأن الهوية الأردنية لم تكن يوماً طارئة، بل هي هُوية صلبة، متجددة، ومسيجة بوعي أبنائها وبنادق جيشها.
ولعل من نافلة القول ان المشهد الأردني ليس معزولا عن محيطه الجيوسياسي الملتهب، فالأردن يجد نفسه جغرافياً وسياسياً في قلب أعنف أزمات الشرق الأوسط، ويواجه مواطنوه تياراً مستمراً من الخطابات الصادرة عن اليمين الإسرائيلي المتطرف، والتي تحاول بين الحين والآخر إحياء أوهام "الوطن البديل" أو الحديث عن تصفية القضية الفلسطينية على حساب الجغرافيا والديمغرافيا الأردنية، ناهيك عن تصريحات حول إسرائيل الكبرى، وهو ما يجعل مستويات تحليل تتوقف عند التشبيك بين "قلق الهوية" مع "زخم الاحتفال" ترجمة لمقاربات في علم النفس الاجتماعي،حيث "تفترض نظرية ادارة الخوف أن التهديدات الوجودية (سواء كانت سياسية، عسكرية، أو اقتصادية) تثير قلقاً غريزياً عميقاً لدى الأفراد،ولتجاوز هذا الخوف، يلجأ العقل الباطن للتمسك بالهوية الثقافية" والرموز السيادية (مثل العلم) كدرع نفسي يمنح شعوراً بالخلود والانتماء، مما يوفر طمأنينة جماعية" ، وهو ما يفسر رفع العلم الأردني بكثافة غير مسبوقة، ارتداء الشماغ المهدب والأثواب التراثية، وإحياء الأغاني الوطنية القديمة والجديدة، كلها لا تقف عند حدود الاحتفال، بل هي إعلان جماعي حاسم بالهوية الوطنية للدولة الأردنية، وحسم مطلق لنقاشات السيادة التي يحاول الخارج العبث بها،وهي عملية "إعادة إنتاج الهوية" وتثبيتها في وعي الأجيال الشابة ككيان صلب غير قابل للمساومة أو التذويب.
وبموازاة الخطر الخارجي، فان التوسع في الاحتفال يشكل استجابة داخلية ملحة لتمتين الجبهة الداخلية، فالمجتمع الأردني عبر هذه المهرجانات الوطنية الممتدة يرسل رسالة لا مراء فيها بصهر أية هويات فرعية في بوتقة "الهوية الوطنية الأردنية"، ففي ذكرى الاستقلال، تتلاشى الفوارق الجغرافية والعشائرية والمنابت، ليصبح الفضاء العام ملكاً لسردية وطنية واحدة وعصية على الاختراق، وينبغي التوقف هنا عند ملاحظة ان الخطاب الوطني، اعاد انتاج ذكرى الاستقلال من مجرد استذكار لحدث سياسي وعسكري وقع عام 1946، إلى معركة وعي ثقافي وحضاري، فهناك تركيز لافت من المؤسسات الأهلية والرسمية على حماية السردية التاريخية للأرض والآثار، والتأكيد على عمق الجذور التاريخية للأردن، وهو رد مباشر على محاولات التشكيك في تاريخ الدولة أو تصويرها ككيان طارئ على الجغرافيا.
وبالتزامن مع ما يمكن وصفه بـ قلق الهوية الدفاعي،يكتسب الاستقلال هذا العام زخماً استثنائياً لتزامنه مع الذكرى الثمانين لتأسيس المملكة وصون استقلالها، مما جعل التحضيرات الكرنفالية، والعروض الجوية لـ"صقور الأردن الملكية"، والفعاليات الفلكلورية تأخذ طابعاً تنظيمياً غير مسبوق بتنسيق مشترك بين القطاعين العام والخاص،كما ان تتبنى الدولة عبر أجهزتها المختلفة (وزارات الثقافة والشباب والاتصال الحكومي) إستراتيجية تنظيم فعاليات ضخمة تهدف لتخفيف الضغوط النفسية والاقتصادية المتراكمة على المواطنين نتيجة الظروف الإقليمية، وتوليد طاقة إيجابية تعزز قيم "المواطنة الفاعلة" والتلاحم بين القيادة والشعب.ولا شك ان الدولة تستثمر هذه المناسبة الجماهيرية لبعث رسائل ثقة، فرغم الأزمات المحيطة، يصر الأردن على المضي قدماً في مسارات التحديث السياسي (عبر البرلمان والحياة الحزبية الجديدة) والتحديث الاقتصادي والخدمي، والاحتفال هنا هو استعراض لقدرة الدولة على البناء والابتكار ومواكبة المستقبل وسط بيئة إقليمية مضطربة.
إن ما يشهده الشارع الأردني في عيد الاستقلال ليس مجرد احتفالات عابرة، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية والسيادية العكسية، واعتقد ان الاردنيين أدركوا مبكراً أن حماية دولتهم لا تتم فقط بالخيار العسكري والأمني، وإنما بتحصين الوعي الجمعي،وتمتين النسيج الاجتماعي وتعميق الارتباط بالرموز الوطنية،فتوسع الاحتفالات وشمولها جغرافيا المملكة من شمالها إلى جنوبها ومن غربها الى شرقها، هو الجواب الوطني الحاسم على كل سيناريوهات القلق، وهو رسالة واضحة لكل من يراقب المشهد من خارج الحدود بأن هذه الدولة التي صمدت عقوداً طويلة في وجه العواصف، تزداد تماسكا ووحدة وثباتا كلما اشتدت الرياح، وأن الهوية الأردنية لم تكن يوماً طارئة، بل هي هُوية صلبة، متجددة، ومسيجة بوعي أبنائها وبنادق جيشها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 21:37