الزبيدي تكتب: الحُبُّ الذي لا يُورَّث
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 18:37
كلُّ شيءٍ قد يُتركُ لغيرِنا بعدَ الرحيل… إلا ذلكَ الحبّ، يبقى مُعلّقًا في ابنةِ أبيها، لا يرثهُ أحد. يبقى كأثرِ صلاةٍ قديمةٍ في روحٍ مُتعبة، وكارتجافةِ دمعٍ حائرٍ في آخرِ المآقي، لا يجفُّ مهما مرَّت عليهِ مواسمُ النسيان. ومنذُ أن غِبتَ يا أبي، وأنا أحملُكَ في داخلي كوجعٍ نبيل، لأنَّكَ لم تكنْ مجرّدَ ذكرى، بل إقامةً سرمديّةً في عروقي، ودفئًا أبديًّا يسكنُ روحي مهما اشتدَّ بردُ الحياة. وها هو العيدُ يقتربُ يا أبي… يقتربُ مثقلًا بغيابكَ، كأنَّ الفرحَ صارَ يتيمًا منذُ رحلت، وكأنَّ البيوتَ مهما ازدانتْ بالأنوارِ لا تستطيعُ أن تُخفي ذلكَ الفراغَ الهائلَ الذي تركتَهُ في القلب. يأتي العيدُ والناسُ تُخبّئُ فرحَها في أحضانِ آبائها، أمّا أنا فأُخبّئُ وجعي في الدعاءِ لك، وأمضي كطفلةٍ تُحاولُ أن تبدو بخير، بينما روحُها تُفتّشُ بينَ الوجوهِ عن وجهِ أبيها الذي أخذهُ الغياب.
أبي… يا أوّلَ الأمانِ وآخرَه، يا ظِلَّ الرحمةِ حينَ كانتِ الدنيا تشتدُّ عليَّ كريحٍ عاتية، كيفَ استطاعتِ الحياةُ أن تمضي بعدكَ بهذا البرود؟ كيفَ للشمسِ أن تُشرقَ وفي الأرضِ قلبٌ انطفأ؟ منذُ رحيلكَ، وأنا أشعرُ أنَّ الأشياءَ كلَّها فقدتْ معناها؛ الضحكاتُ صارت ناقصة، والبيوتُ موحشة، والأيامُ طويلةً كأنَّ الزمنَ يعاقبني بفقدكَ في كلِّ لحظة. أنا ابنتُكَ التي شعرتْ أنَّ قلبها دُفنَ معكَ يومَ ابتعدَ المشيّعون عن قبركَ، ومنذُ تلكَ اللحظةِ وأنا أمشي في الحياةِ كأنني ظلٌّ تائه، لا يعرفُ كيفَ يعودُ إلى نفسه.
ومعَ الشمسِ يا أبي… أمشي أتلَمَّسُ آثاركَ كمن يبحثُ عن عمرِه الضائع بين الطُّرقات، أُحدّقُ في الأماكنِ التي مررتَ منها، وأتبعُ خُطاكَ بصمتٍ مرتجف، كأنّي أخشى أن يمحوها الزمنُ فأفقدكَ مرّةً أخرى. أُكلّمُ الأبوابَ التي لامستْها يداكَ، وأستنشقُ الهواءَ كأنّ فيه بقايا حضوركَ، علَّ شيئًا منك يُطمئنُ هذا القلبَ المُتعب. وباللّيلِ يا أبي… معَ النجومِ والقمر، أُناديكَ بصوتٍ يختنقُ بالبكاء، كأنَّ السماءَ وحدها ما زالتْ تعرفُ كم يؤلمني غيابُك، وأشعرُ أنّ كلَّ نجمةٍ تحملُ شيئًا منك، وأنَّ الليلَ كلَّهُ ما عادَ سوى مساحةِ حنينٍ مفتوحةٍ عليك. ومنذُ رحيلكَ أشعرُ أنّني لا أمشي فوقَ الأرضِ كما كنتُ، بل أمشي فوقَ فراغٍ هائلٍ تركهُ غيابُكَ، وأنَّ الحياةَ بعدكَ أصبحتْ باردةً إلى حدٍّ يؤلمُ الرُّوح.
أشتاقُ إليكَ شوقَ الأرضِ المهجورةِ للمطر… شوقًا يُرهقُ القلبَ حتى يكادُ ينكسر من فرطِ الحنين. أشتاقُ إلى صوتكَ وهو يُناديني بحنانٍ لا يُشبههُ شيء، إلى يديكَ اللتينِ كانتا تربّتانِ على قلبي قبلَ كتفي، إلى ملامحكَ التي كانت تُشعرني أنَّ العالمَ مهما قسا فثمّةَ مكانٌ آمنٌ ما زالَ موجودًا. واليوم، بعدما رحلتَ، صرتُ أواجهُ الحياةَ بقلبِ طفلةٍ أضاعَت يدَ أبيها في زحامِ العمر، وبقيتْ منذُ تلكَ اللحظةِ خائفةً، ترتجفُ من الوحدةِ ومن اتّساعِ الغياب. وكيفَ أنساكَ يا أبي وأنا كلّما تنفّستُ شعرتُ أنّكَ ما زلتَ تسكنني؟ كلُّ زاويةٍ في روحي تُشبهكَ، وكلُّ نبضةٍ في قلبي ما زالت تناديكَ باسمِ الحنين.
وفي صباحاتِ العيدِ تحديدًا… يخذلني قلبي أكثر، حينَ أرى الآباءَ يمسكونَ أيدي أبنائهم، فأشعرُ أنّني أكثرُ يتمًا من كلِّ المواسم، وأنَّ العيدَ بدونكَ يشبهُ بابًا مفتوحًا على الحزن، لا على الفرح.
وفي الليلِ يا أبي… حينَ تخفتُ الأصواتُ وينامُ الجميع، ويختبئُ كلُّ حبيبٍ في دفءِ أحبّتِه، أخلُو أنا بفاجعتي. أجلسُ وحدي أُحدّثُ صورتكَ بصوتٍ مكسور، وأرتّلُ اسمكَ كأنّهُ تعويذةٌ ضدَّ الجنون، وأبكيكَ كما لو أنّ الفقدَ حدثَ للتوّ، لأنَّ الأحزانِ فى قلبى لا تهرمُ أبدًا، وبعضَ الآباءِ لا يُمكنُ للحياةِ أن تُعوّضهم مهما امتلأتِ الدنيا بالبشر. أشعرُ أحيانًا أنّني لم أعدْ ابنةَ هذا العالمِ منذُ رحيلكَ، بل ابنةُ غيابٍ طويل، وذاكرةٍ مثقلةٍ بك، وقلبٍ كلّما حاولَ النسيانَ أعادهُ حبُّكَ إليكَ أكثر.
عذرًا يا أبي إنْ كانتْ دموعي تُبلّلُ ثراكَ كلَّ ليلة… فما كانَ بكائي اعتراضًا على قضاءِ الله، بل لأنَّ قلبي منذُ رحيلكَ لم يتعلّم كيفَ ينجو من هذا الفقد. لأنَّ الحزنَ عليكَ ليسَ عابرًا، بل وجعٌ طاعنٌ في السّن، لا يموت.
سلامٌ عليكَ يا أبي، يا أكثرَ الرجالِ طُهرًا في عيني، ويا الرجلَ الذي كانَ أُمّةً كاملةً في قلبِ ابنته. سلامٌ على قبركَ الذي أخذَ منّي الطمأنينةَ كلَّها، وتركَ لي هذا الحنينَ الهائلَ الذي لا ينتهي… ذلكَ الحنينُ الذي كلّما مرَّ الزمنُ ازدادَ اتّساعًا، كأنَّ الفقدَ لا يشيخ، وكأنَّ ابنةَ أبيها خُلِقَت لتبكيه إلى آخرِ العمر… أنا ابنةُ أبي، تلكَ التي ما زالتْ كلّما ضاقتْ بها الحياةُ رفعتْ قلبَها نحوَ السماءِ تبحثُ عنه، وتبكيهُ كأنَّهُ الرَّاحلُ الوحيدُ الذي أخذَ معهُ العالمَ كلَّه.
أبي… يا أوّلَ الأمانِ وآخرَه، يا ظِلَّ الرحمةِ حينَ كانتِ الدنيا تشتدُّ عليَّ كريحٍ عاتية، كيفَ استطاعتِ الحياةُ أن تمضي بعدكَ بهذا البرود؟ كيفَ للشمسِ أن تُشرقَ وفي الأرضِ قلبٌ انطفأ؟ منذُ رحيلكَ، وأنا أشعرُ أنَّ الأشياءَ كلَّها فقدتْ معناها؛ الضحكاتُ صارت ناقصة، والبيوتُ موحشة، والأيامُ طويلةً كأنَّ الزمنَ يعاقبني بفقدكَ في كلِّ لحظة. أنا ابنتُكَ التي شعرتْ أنَّ قلبها دُفنَ معكَ يومَ ابتعدَ المشيّعون عن قبركَ، ومنذُ تلكَ اللحظةِ وأنا أمشي في الحياةِ كأنني ظلٌّ تائه، لا يعرفُ كيفَ يعودُ إلى نفسه.
ومعَ الشمسِ يا أبي… أمشي أتلَمَّسُ آثاركَ كمن يبحثُ عن عمرِه الضائع بين الطُّرقات، أُحدّقُ في الأماكنِ التي مررتَ منها، وأتبعُ خُطاكَ بصمتٍ مرتجف، كأنّي أخشى أن يمحوها الزمنُ فأفقدكَ مرّةً أخرى. أُكلّمُ الأبوابَ التي لامستْها يداكَ، وأستنشقُ الهواءَ كأنّ فيه بقايا حضوركَ، علَّ شيئًا منك يُطمئنُ هذا القلبَ المُتعب. وباللّيلِ يا أبي… معَ النجومِ والقمر، أُناديكَ بصوتٍ يختنقُ بالبكاء، كأنَّ السماءَ وحدها ما زالتْ تعرفُ كم يؤلمني غيابُك، وأشعرُ أنّ كلَّ نجمةٍ تحملُ شيئًا منك، وأنَّ الليلَ كلَّهُ ما عادَ سوى مساحةِ حنينٍ مفتوحةٍ عليك. ومنذُ رحيلكَ أشعرُ أنّني لا أمشي فوقَ الأرضِ كما كنتُ، بل أمشي فوقَ فراغٍ هائلٍ تركهُ غيابُكَ، وأنَّ الحياةَ بعدكَ أصبحتْ باردةً إلى حدٍّ يؤلمُ الرُّوح.
أشتاقُ إليكَ شوقَ الأرضِ المهجورةِ للمطر… شوقًا يُرهقُ القلبَ حتى يكادُ ينكسر من فرطِ الحنين. أشتاقُ إلى صوتكَ وهو يُناديني بحنانٍ لا يُشبههُ شيء، إلى يديكَ اللتينِ كانتا تربّتانِ على قلبي قبلَ كتفي، إلى ملامحكَ التي كانت تُشعرني أنَّ العالمَ مهما قسا فثمّةَ مكانٌ آمنٌ ما زالَ موجودًا. واليوم، بعدما رحلتَ، صرتُ أواجهُ الحياةَ بقلبِ طفلةٍ أضاعَت يدَ أبيها في زحامِ العمر، وبقيتْ منذُ تلكَ اللحظةِ خائفةً، ترتجفُ من الوحدةِ ومن اتّساعِ الغياب. وكيفَ أنساكَ يا أبي وأنا كلّما تنفّستُ شعرتُ أنّكَ ما زلتَ تسكنني؟ كلُّ زاويةٍ في روحي تُشبهكَ، وكلُّ نبضةٍ في قلبي ما زالت تناديكَ باسمِ الحنين.
وفي صباحاتِ العيدِ تحديدًا… يخذلني قلبي أكثر، حينَ أرى الآباءَ يمسكونَ أيدي أبنائهم، فأشعرُ أنّني أكثرُ يتمًا من كلِّ المواسم، وأنَّ العيدَ بدونكَ يشبهُ بابًا مفتوحًا على الحزن، لا على الفرح.
وفي الليلِ يا أبي… حينَ تخفتُ الأصواتُ وينامُ الجميع، ويختبئُ كلُّ حبيبٍ في دفءِ أحبّتِه، أخلُو أنا بفاجعتي. أجلسُ وحدي أُحدّثُ صورتكَ بصوتٍ مكسور، وأرتّلُ اسمكَ كأنّهُ تعويذةٌ ضدَّ الجنون، وأبكيكَ كما لو أنّ الفقدَ حدثَ للتوّ، لأنَّ الأحزانِ فى قلبى لا تهرمُ أبدًا، وبعضَ الآباءِ لا يُمكنُ للحياةِ أن تُعوّضهم مهما امتلأتِ الدنيا بالبشر. أشعرُ أحيانًا أنّني لم أعدْ ابنةَ هذا العالمِ منذُ رحيلكَ، بل ابنةُ غيابٍ طويل، وذاكرةٍ مثقلةٍ بك، وقلبٍ كلّما حاولَ النسيانَ أعادهُ حبُّكَ إليكَ أكثر.
عذرًا يا أبي إنْ كانتْ دموعي تُبلّلُ ثراكَ كلَّ ليلة… فما كانَ بكائي اعتراضًا على قضاءِ الله، بل لأنَّ قلبي منذُ رحيلكَ لم يتعلّم كيفَ ينجو من هذا الفقد. لأنَّ الحزنَ عليكَ ليسَ عابرًا، بل وجعٌ طاعنٌ في السّن، لا يموت.
سلامٌ عليكَ يا أبي، يا أكثرَ الرجالِ طُهرًا في عيني، ويا الرجلَ الذي كانَ أُمّةً كاملةً في قلبِ ابنته. سلامٌ على قبركَ الذي أخذَ منّي الطمأنينةَ كلَّها، وتركَ لي هذا الحنينَ الهائلَ الذي لا ينتهي… ذلكَ الحنينُ الذي كلّما مرَّ الزمنُ ازدادَ اتّساعًا، كأنَّ الفقدَ لا يشيخ، وكأنَّ ابنةَ أبيها خُلِقَت لتبكيه إلى آخرِ العمر… أنا ابنةُ أبي، تلكَ التي ما زالتْ كلّما ضاقتْ بها الحياةُ رفعتْ قلبَها نحوَ السماءِ تبحثُ عنه، وتبكيهُ كأنَّهُ الرَّاحلُ الوحيدُ الذي أخذَ معهُ العالمَ كلَّه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 18:37