خريسات يكتب: رسالة الملك في عيد الاستقلال الثمانين.. عائلتي الأردنية.. وطنٌ في كلمة

أ. فراس خريسات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 17:42
صباح عيد الاستقلال الثمانين، لم تكن الرسالة التي وصلت إلى هواتف الأردنيين مجرّد تهنئة عابرة، ولا كلمات تقال في مناسبة وطنية ثم تمضي مع ضجيج الاحتفال؛ بل كانت رسالة دافئة من قائدٍ يعرف شعبه، ويخاطبه بلسان القرب والمحبة والانتماء.

قال جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، في رسالته إلى الأردنيين:

«عائلتي الأردنية، كل عام وأنتم بخير بمناسبة الذكرى الثمانين لاستقلال بلادنا المباركة. حماكم الله وحمى أردن العز. عبدالله الثاني ابن الحسين». وقد تناقلت وسائل إعلام أردنية نص الرسالة التي وجّهها جلالته صباح اليوم الاثنين 25 أيار 2026 بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين للمملكة الأردنية الهاشمية.

وأجمل ما في هذه الرسالة أنها بدأت بكلمتين تختصران فلسفة الحكم الهاشمي، وعمق العلاقة بين القيادة والشعب: «عائلتي الأردنية». ففي هذه العبارة معنى الأبوة السياسية، والرحمة القيادية، والانتماء الوطني الجامع. لم يقل جلالته: أيها المواطنون، ولا أبناء الشعب فحسب، مع عظمة هذه العبارات، بل قال: عائلتي الأردنية؛ وكأن الوطن بيت واحد، والقيادة رباط أمان، والشعب أسرة متماسكة، يجمعها الوفاء والولاء والمسؤولية.

ثمانون عاماً من الاستقلال ليست رقماً في سجل التاريخ، بل مسيرة وطنٍ نبت من الصبر، وكبر بالتضحيات، وثبت رغم العواصف. ثمانون عاماً والأردن يمضي بثقة، يحمل رسالته العربية والإسلامية، ويحفظ توازنه وسط إقليم مضطرب، ويؤكد أن قوة الدول ليست بكثرة مواردها وحدها، بل بصدق رجالها، ووعي شعبها، وثبات قيادتها، ورسوخ مؤسساتها.

إن الاستقلال في الوجدان الأردني ليس احتفالاً سنوياً فحسب، بل عهد يتجدد. هو عهد الآباء الذين بنوا، والأجداد الذين صبروا، والجنود الذين حرسوا، والمعلمين الذين ربّوا، والأئمة الذين وجّهوا، والعمال الذين شيدوا، والأمهات اللواتي غرسن في البيوت معنى الأردن أولاً. وفي كل قرية ومخيم ومدينة وبادية قصة من قصص هذا الوطن، وفي كل بيت أردني شاهد على أن الأردن لم يكن يوماً وطناً عادياً، بل كان رسالة وكرامة وهوية.

وحين يقول جلالة الملك: «حماكم الله وحمى أردن العز»، فإن الدعاء هنا ليس خاتمة لغوية، بل تعبير عن معنى عميق؛ فحماية الأردن تبدأ بحماية إنسانه، وحماية وعيه، وحماية وحدته، وحماية ثقته بدولته ومؤسساته. والأردن العزيز لا تحميه الجغرافيا وحدها، بل تحميه القلوب الصادقة، والسواعد العاملة، والعقول الواعية، والصف الوطني الواحد.

لقد جاءت رسالة جلالته قصيرة في عدد كلماتها، لكنها واسعة في معانيها. فيها تهنئة، وفيها دعاء، وفيها قرب، وفيها تذكير بأن الوطن ليس علاقة رسمية بين دولة ومواطن، بل علاقة وجدانية بين بيت كبير وأبنائه. ولهذا لامست الرسالة قلوب الأردنيين؛ لأنهم وجدوا فيها صوت القائد القريب، لا عبارة المنصب البعيد.

وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، نحن أحوج ما نكون إلى أن نقرأ هذه الرسالة قراءة مسؤولية، لا قراءة عاطفة فقط. فإذا كان الملك ينادينا: «عائلتي الأردنية»، فإن واجب العائلة أن تتماسك، وأن يحفظ بعضها بعضاً، وأن تختلف بأدب، وتعمل بإخلاص، وتنتقد ببناء، وتخدم الوطن كلٌ من موقعه. فالموظف في مكتبه حارس للاستقلال حين يتقن، والمعلم في صفه حارس للاستقلال حين يربي، والإمام على منبره حارس للاستقلال حين يجمع ولا يفرق، والجندي على ثغره حارس للاستقلال حين يسهر ليأمن الناس، والشاب في جامعته وعمله حارس للاستقلال حين يبني مستقبله بعزم وأمل.

إن الأردن، وهو يضيء شمعة الاستقلال الثمانين، لا ينظر إلى الماضي بوصفه ذكرى جميلة فحسب، بل يستمد منه طاقة للمستقبل. فالاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا باستقلال الإرادة، ونزاهة العمل، وقوة المؤسسات، وحماية الهوية، وترسيخ قيم العدالة والرحمة والتكافل. وما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل من هذه المناسبة محطة لمراجعة الذات، وتجديد العهد مع الله ثم الوطن والقيادة.

كل عام وجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بألف خير.

كل عام وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني بألف خير.

كل عام والجيش العربي والأجهزة الأمنية، حماة الديار وعيون الوطن الساهرة، بألف خير.

كل عام والأردنيون جميعاً، من شمال الوطن إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، عائلة واحدة، وقلباً واحداً، وراية واحدة.

حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والإيمان، والوحدة والاطمئنان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 17:42