ثمانون عاما من التوازن الصعب كيف صنع الأردن استقراره في قلب إقليم متحرك؟

محمد العرسان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/24 الساعة 12:39
ثمانون عاما في الشرق الأوسط تعني أن تنجو من الحروب والانقلابات والحدود المتحركة، وأن تبقى واقفا بينما تتبدل الخرائط من حولك.

في الخامس والعشرين من أيار يحتفل الأردن بذكرى استقلاله عن الانتداب البريطاني عام 1946 لتبدأ رحلة كفاح وسط محيط ملتهب ومتحرك.

ففي منطقة اعتادت أن تلتهم الدول أبناءها، بدأ الأردن وكأنه يمارس فن السير فوق الحبال، يتقدم بحذر، لكنه لا يسقط.

فمنذ إعلان الاستقلال لم يكن أمام المملكة الهاشمية ترف الوقت ولا رفاهية التجريب كانت دولة ناشئة بموارد محدودة، محاطة بصراعات لا تنتهي، و مطالبة في الوقت ذاته ببناء مؤسسات حديثة قادرة على الاستمرار.

وربما هنا تكمن المفارقة الأردنية الأكثر إثارة، دولة فقيرة بالموارد، لكنها غنية بالقدرة على التكيف،على امتداد العقود الثمانية الماضية، نجح الأردن في ترسيخ نموذج سياسي مستقر نسبيًا وسط إقليم مضطرب.

لم يكن الاستقرار الأردني معجزة بقدر ما كان نتاج إدارة حذرة للتوازنات الداخلية والخارجية. فالدبلوماسية الأردنية، التي أتقنت لغة المناورة الهادئة، أدركت مبكرًا أن البقاء في هذه المنطقة لا يتحقق بالشعارات المرتفعة، إنما ببناء شبكة علاقات متوازنة، وبالقدرة على الحديث مع الجميع دون خسارة الجميع.

هذا الاستقرار أتاح للدولة أن تبني مؤسساتها تدريجيًا. توسع التعليم، وتحسن القطاع الصحي، وارتفعت مستويات البنية التحتية بصورة لافتة مقارنة بالإمكانات المتاحة. خلال عقود قليلة، تحولت المملكة إلى مركز إقليمي للكفاءات الطبية والتعليمية، واستطاع الأردني أن يصدر خبراته إلى المنطقة بقدر ما استورد منها الأزمات.

لكن قصة الأردن لم تكن يومًا قصة انتصارات كاملة.فخلف صورة الاستقرار، تراكمت تحديات ثقيلة، بعضها اقتصادي، وبعضها يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. الدين العام تجاوز في فترات عديدة حاجز المئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بقي النمو الاقتصادي أقل من طموحات جيل شاب يبحث عن فرصة عمل وحياة أكثر استقرارًا.

البطالة لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي، فقد تحولت إلى سؤال اجتماعي وسياسي مفتوح، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

المعضلة الاردنية اليوم لا تكمن فقط في نقص الموارد، انما في كيفية إدارة الندرة نفسها فالمملكة تواجه واحدًا من أكثر تحديات المياه قسوة في العالم، بينما يواصل الاعتماد على الطاقة المستوردة استنزاف الاقتصاد. في بلد يعرف جيدًا معنى الجغرافيا السياسية، أصبحت المياه والطاقة جزءًا من تعريف الأمن القومي، لا مجرد ملفات خدمية.

ومع كل أزمة إقليمية جديدة، من العراق إلى سوريا وغزة، كان الأردن يدفع كلفة إضافية لاستقراره. استقبل موجات لجوء ضخمة، وتحمل ضغوطًا اقتصادية واجتماعية هائلة، دون أن يملك ترف الانهيار أو الانسحاب من المشهد.

ومع ذلك، لا يبدو الأردن دولة تبحث عن النجاة فقط، تحاول المملكة إعادة تعريف مستقبلها وسط عالم يتغير بسرعة. فثمة إدراك متزايد بأن النموذج التقليدي لم يعد كافيًا، وأن الإصلاح الاقتصادي والإداري لم يعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، إنما هو ضرورة وجودية.

يتجه الرهان اليوم نحو تطوير الإدارة العامة، ورفع مستويات الشفافية، وتوسيع نطاق اللامركزية، بما يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس أكثر كفاءة وقدرة على المساءلة. وفي السياق نفسه، لم يعد الاستثمار في الطاقة المتجددة وتحلية المياه خيارا إضافيا، وإنما أصبح مسارا ضروريًا لضمان تأمين الاحتياجات في العقود المقبلة.

وفي قلب كل ذلك، يبقى الإنسان الأردني هو المورد الأهم في بلد محدود الموارد. لذلك تبدو معركة التعليم والتدريب المهني وخلق فرص العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالدول لا تعيش على التاريخ وحده هي بحاجة إلى بناء قدراتها في إنتاج المستقبل.

ثمانون عامًا بعد الاستقلال، لا يبدو الأردن دولة مكتملة بقدر ما يبدو مشروعًا مستمرًا. دولة تعلمت كيف تتعايش مع القلق، وكيف تحول الجغرافيا القاسية إلى مساحة للمناورة، وكيف تبني حدًا أدنى من الاستقرار في إقليم يفتقد الحد الأدنى من اليقين.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يُقاس استقلال الأردن فقط بما تحقق منذ 1946، بل بقدرته المستمرة على البقاء والتكيف وإعادة اختراع نفسه كلما ظن كثيرون أن المنطقة لم تعد تتسع لدولة صغيرة أخرى تحاول النجاة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/24 الساعة 12:39