أبو عيطة يكتب: كيف يستطيع الأردن تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرصة اقتصادية وصناعية كبرى؟

الدكتور جورج طناس ابوعيطه
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 15:30
في الوقت الذي يعيش فيه العالم واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا سياسيًا واقتصاديًا منذ عقود، تقف المنطقة أمام مشهد معقد تتداخل فيه الحروب والتوترات الجيوسياسية وأزمات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. فالحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، والدور الأمريكي المتصاعد في المنطقة، والمخاوف المستمرة من إغلاق مضيق هرمز، لم تعد مجرد أحداث سياسية عابرة، بل أصبحت عوامل مباشرة تؤثر على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ورغم أن كثيرين ينظرون إلى هذه التطورات باعتبارها تهديدًا خطيرًا على اقتصادات المنطقة، إلا أن النظرة الاقتصادية الاستراتيجية تقول إن الأزمات الكبرى تخلق دائمًا فرصًا كبرى، وإن الدول التي تملك الرؤية والمرونة هي وحدها القادرة على تحويل التحديات إلى نقاط قوة.

ومن هنا، يبرز السؤال الأهم:

هل يستطيع الأردن أن يحول هذه الظروف المعقدة إلى فرصة تاريخية للنمو الاقتصادي والصناعي؟

برأيي، نعم… وبقوة.

فالأردن اليوم يمتلك عناصر قد لا تبدو ظاهرة للجميع، لكنها شديدة الأهمية في عالم مضطرب يبحث عن الاستقرار والثقة والمرونة. وفي وقت أصبحت فيه كثير من الأسواق الإقليمية تعاني من اضطرابات سياسية أو أمنية أو لوجستية، يبرز الأردن كدولة مستقرة سياسيًا ومؤسساتيًا، وقادرة على لعب دور اقتصادي أكبر بكثير من حجمها الجغرافي.

ولعل ما يعزز هذه النظرة ما كشفه تقرير “الأسواق الواعدة للصادرات الأردنية 2025” الصادر عن غرفة صناعة الأردن، والذي أشار إلى وجود فرص تصديرية غير مستغلة للصناعة الأردنية تصل إلى حوالي 7.7 مليار دولار عالميًا. وهذه الأرقام ليست مجرد بيانات اقتصادية، بل مؤشر واضح على أن العالم مستعد لاستقبال المنتج الأردني إذا توفرت الأدوات الصحيحة للوصول إليه.

وقد بلغت قيمة الصادرات الصناعية الأردنية خلال عام 2025 حوالي 8.9 مليار دينار، مشكلة ما يقارب 92% من إجمالي الصادرات الوطنية، وهو إنجاز يعكس قوة القطاع الصناعي الأردني وقدرته على المنافسة رغم كل الظروف الإقليمية والدولية الصعبة.

الأزمات تصنع الفرص… والأردن أمام فرصة نادر

العالم اليوم يعيد رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية. والشركات الدولية لم تعد تبحث فقط عن الأسعار المنخفضة، بل أصبحت تبحث عن:

* الاستقرار السياسي

* الأمان اللوجستي

* الاستمرارية

* الجودة

* المرونة في التوريد

وهنا تحديدًا تكمن الفرصة الأردنية.

ففي حال تصاعد التوترات الإقليمية أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز، ستبدأ الشركات والدول بالبحث عن بدائل آمنة وموثوقة لتأمين احتياجاتها من الصناعات الدوائية والغذائية والكيماوية والمنتجات الاستهلاكية. والأردن يمتلك قاعدة صناعية متطورة نسبيًا في هذه القطاعات، خصوصًا الصناعات الدوائية والكيماوية والمنظفات والغذاء.

ولعل اللافت أن قطاع الصناعات الكيماوية ومستحضرات التجميل جاء في مقدمة القطاعات الأردنية من حيث الفرص التصديرية غير المستغلة، بقيمة تصل إلى 2.9 مليار دولار.



رؤية ملك… وخطة تحديث اقتصادي واضحة

لا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون التوقف عند رؤية التحديث الاقتصادي التي تبنتها الدولة الأردنية بتوجيهات مباشرة من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والتي جاءت برؤية واضحة تقوم على بناء اقتصاد إنتاجي تنافسي يعتمد على:

* الصناعة

* التصدير

* الاستثمار

* التكنولوجيا

* خلق فرص العمل

لقد أدركت القيادة الأردنية مبكرًا أن المستقبل لن يكون للاقتصادات الريعية أو التقليدية، بل للدول القادرة على الإنتاج والتصدير والابتكار. ولذلك وضعت رؤية التحديث الاقتصادي القطاع الصناعي في قلب عملية النمو الاقتصادي، باعتباره المحرك الحقيقي القادر على تخفيض البطالة وتحفيز الاستثمار وتحسين مستوى المعيشة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها الحكومة الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان، والتي تركز بشكل واضح على تسريع تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وتعزيز البيئة الاستثمارية، وتحفيز القطاع الصناعي والتصديري.

فالمرحلة الحالية تتطلب قرارات اقتصادية مرنة وسريعة تتناسب مع التحولات الإقليمية والعالمية، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الأوضاع السياسية في المنطقة.



الصناعة ليست أرقامًا فقط… بل حياة كريمة للمواطن

يجب أن نتذكر دائمًا أن دعم الصناعة الوطنية لا ينعكس فقط على أرقام الصادرات أو نسب النمو الاقتصادي، بل يمتد أثره بشكل مباشر إلى حياة المواطنين اليومية.

فكلما توسعت الصناعة:

* انخفضت معدلات البطالة

* ارتفع مستوى المعيشة

* تحسنت القدرة الشرائية

* توسعت الطبقة الوسطى

* زادت فرص العمل للشباب الأردني

مما يقود بالنهاية إلى رخاء واستقرار اقتصادي واجتماعي حقيقي.

فالصناعة ليست مجرد مصانع وخطوط إنتاج، بل هي محرك أساسي للتنمية ومصدر حقيقي لبناء المستقبل.



السوق السعودي والخليجي… فرصة استراتيجية للأردن

ومن خلال زيارتي الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، لمست بشكل واضح حجم الثقة والقناعة الموجودة بالمنتج الأردني في السوق السعودي. وما رأيته على أرض الواقع يؤكد أن العديد من المنتجات الأردنية أصبحت تتصدر من حيث الجودة والسمعة حتى على بعض المنتجات القادمة من دول أخرى، وفي بعض الأحيان تنافس المنتجات المحلية نفسها بقوة.

وهذا ليس مجرد انطباع شخصي، بل واقع اقتصادي يجب أن نستفيد منه ونبني عليه خلال المرحلة المقبلة.

فالسوق السعودي يعد من أكبر وأهم الأسواق في المنطقة، ويتمتع بقوة شرائية ضخمة ونمو اقتصادي متسارع، إضافة إلى الانفتاح الكبير الذي تشهده المملكة ضمن رؤيتها الاقتصادية الطموحة.

كما أن الأسواق الخليجية بشكل عام تمتلك فرصًا هائلة أمام الصناعات الأردنية، لكن النجاح فيها يحتاج إلى:

* دراسة أعمق للأسواق الخليجية

* تطوير المنتجات والتغليف

* تعزيز التسويق الاحترافي

* فهم احتياجات المستهلك الخليجي

* بناء شراكات طويلة المدى



“صنع في الأردن” يجب أن يصبح مشروعًا وطنيًا

وفي إحدى المناقشات التي جمعتني مع أحد الوزراء الصناعيين الأردنيين، طرحت فكرة أؤمن بأهميتها الكبيرة، وهي ضرورة الانتقال بمفهوم “صنع في الأردن” من مجرد شعار أو مبادرات متفرقة إلى مشروع وطني اقتصادي متكامل.

فنحن لا نعاني من ضعف المنتج الأردني، بل أحيانًا من ضعف التسويق الجماعي المنظم.

ولذلك نحن بحاجة إلى:

* حملة وطنية موحدة لتسويق المنتج الأردني

* بناء صورة عالمية قوية للصناعة الأردنية

* توحيد الرسالة التسويقية للصناعات الوطنية

* تعزيز مفهوم الجودة والثقة بالمنتج الأردني

كما أن وجود مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية يشكل عنصر قوة حقيقي يجب البناء عليه، لما تقوم به من دور مهم في الرقابة والمحافظة على جودة المنتجات وضمان مطابقتها للمواصفات الأردنية والعالمية.



الأردنيون الصناعيون في الخارج… ثروة يجب استعادتها

كما أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة توجيه دعوة وطنية واضحة للمستثمرين والصناعيين الأردنيين الموجودين في الخارج لإعادة توجيه جزء من استثماراتهم نحو المملكة.

ومن أهم الخطوات العملية التي أرى أنها قد تشكل نقطة تحول حقيقية للاقتصاد الوطني:

عقد مؤتمر اقتصادي صناعي وطني خاص بالصناعيين الأردنيين في الخارج

بحيث يهدف إلى:

* مناقشة أسباب نقل المصانع إلى الخارج

* دراسة التحديات التي واجهت المستثمرين

* تقديم حلول حقيقية وعملية

* تشجيع إعادة توطين جزء من الصناعات داخل الأردن

* تحويل الأردن إلى مركز إنتاج وتصدير إقليمي

فالكثير من الصناعيين الأردنيين في الخارج يمتلكون:

* خبرات عالمية

* علاقات دولية

* مصانع ناجحة

* قدرات تمويلية كبيرة

وإعادة ربط هذه الطاقات بالاقتصاد الوطني يمكن أن تحدث نقلة نوعية كبيرة للصناعة الأردنية.

كما أن استقطاب هذه الاستثمارات يساهم في:

* رفع القدرة المالية للدولة

* استقطاب السيولة الخارجية

* تعزيز الاحتياطات النقدية

* خلق فرص عمل جديدة

* نقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة



نحتاج إلى “قوة بلدوزرية” في التنفيذ

لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها اليوم، أن تحقيق هذه النهضة الاقتصادية والصناعية لا يمكن أن يتم بالخطط والنظريات وحدها، بل يحتاج إلى ما يمكن وصفه بـ:

“القوة البلدوزرية”

فنحن بحاجة إلى تكاتف حقيقي بين:

* جميع مؤسسات الدولة

* الجهات الحكومية وشبه الحكومية

* القطاع الخاص

* غرف الصناعة والتجارة

* المستثمرين

* المؤسسات الاقتصادية

للعمل بروح الفريق الواحد وبعقلية الإنجاز السريع القادر على تحويل رؤية التحديث الاقتصادي من أوراق وتقارير إلى واقع ملموس.

فالمرحلة الحالية لا تحتمل البيروقراطية التقليدية، بل تحتاج إلى مسؤولين موجودين في الميدان، بين المصانع والمستثمرين والمناطق الصناعية، يستمعون للتحديات بشكل مباشر ويتابعون الحلول على أرض الواقع.



الخلاصة: الأردن أمام لحظة تاريخية

إن العالم يتغير بسرعة، وخريطة التجارة العالمية تعاد صياغتها، والاستثمارات تبحث عن مناطق مستقرة وآمنة ومرنة.

واليوم، يمتلك الأردن فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

فبينما يرى البعض في الحروب والأزمات خطرًا فقط، يجب أن ننظر إليها أيضًا كفرصة لإعادة التموضع الاقتصادي والصناعي.

فإذا استطاع الأردن أن يستثمر:

* استقراره السياسي

* موقعه الجغرافي

* كفاءة موارده البشرية

* جودة صناعته الوطنية

* رؤية قيادته السياسية

فإنه قادر على التحول إلى مركز صناعي ولوجستي وتصديري مهم في المنطقة.

ويبقى السؤال الأهم:

هل نستطيع أن نحول هذه المرحلة الصعبة إلى نقطة انطلاق تاريخية؟

أنا أؤمن أن الأردن قادر على ذلك… وربما أكثر مما نتخيل.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 15:30