الراجحي يكتب: نكبة ونكسة ونكبة

أ.د. مناور بيان الراجحي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 12:15
يطل علينا الخامس عشر من مايو في كل عام، لا كذكرى عابرة في تقويم التاريخ، بل كوجع متجدد يذكرنا بتلك اللحظة المفصلية من عام 1948؛ حين ضاعت "فلسطين"، القطعة الأثمن في ثوب العرب. ومنذ ذلك الحين، صار الثوب العربي مثقوباً، ومع مرور العقود، لم تنجح محاولات الرتق السياسية في رأب الصدع، بل ظل الثقب يزداد اتساعاً، ليمتد من جغرافيا الأرض إلى جغرافيا القرار والسيادة. أن النكبة لم تكن مجرد خسارة عسكرية في حرب غير متكافئة، بل كانت "نكسة أخلاقية" حطم فيها القانون الدولي هيبته على عتبات المنازل الفلسطينية، فبينما كان القرار الأممي رقم (181) لعام 1947 يشرعن التقسيم، كانت العصابات الصهيونية تنفذ أكثر من 34 مجزرة مروعة –أشهرها دير ياسين– وتدمر نحو 530 قرية ومدينة فلسطينية، مما أدى إلى تهجير قرابة مليون فلسطيني تحولوا في ليلة وضحاها إلى لاجئين. هنا، سقطت شعارات العدالة العالمية، وأثبت التاريخ أن موازين القوة هي التي ترسم الحدود، لا صكوك المنظمات الدولية.

وبينما كان الرصاص يحطم الجدران، كانت هناك "مفاتيح" حديدية ثقيلة تخبأ في الصدور والجيوب؛ حملها الأوائل وهم يغادرون بيوتهم في يافا وحيفا ظناً منهم أن الغياب لن يتجاوز أياماً معدودة، تحول هذا "المفتاح" بمرور ثمانية عقود من مجرد أداة لفتح الأبواب إلى أيقونة عالمية للصمود، وعهد مكتوب بالدم والدموع بأن العودة ليست مجرد حلم شاعري بل هي استحقاق تاريخي لا يسقط بالتقادم. كم مفتاحاً ما زال يتدلى بين صدور المناضلين اليوم؟ إن التمسك بالمفتاح، رغم رحيل جيل النكبة الأول، هو الرد الأبلغ على مقولة بن غوريون الواهمة: "الكبار يموتون والصغار ينسون" فها هم الأحفاد اليوم في مخيمات الشتات وفي أزقة القدس يحملون تلك المفاتيح بوعيٍ أرقى وصلابة أشد، محطمين كل نظريات "الأسرلة" والنسيان. إنهم يدركون أن المنزل الذي هدم مادياً ما زال قائماً في خارطة الهوية، وأن الحق الذي يطالب به شعب يملك "المفتاح" لا يمكن أن يضيع. لقد توالت النكبات والنكسات، واتسع الخرق على الراقع، وأصبح الجرح العربي ينزف في أكثر من خاصرة، لكن تظل "نكبة 48" هي البوصلة والأساس، إن اتساع الثقب في الثوب العربي اليوم هو نتيجة حتمية للتفريط في تلك القطعة الثمينة؛ فكلما تراجعت القضية الفلسطينية في سلم الأولويات، ازدادت شقوق الأمة وتشرذمت قواها.

ختاماً، إن الخامس عشر من مايو هو يوم لتجديد اليقين لا للندب، هو يوم نؤكد فيه أن الذاكرة هي خط دفاعنا الأخير، وأن الأبواب التي أُغلقت بظلم السلاح، ستفتح يوماً بعدالة الصمود وسيبقى الأمل قائماً ما دام هناك طفل فلسطيني يرفع مفتاح جده عالياً أمام العالم، مؤمناً بأن العودة حق، وأن ثوب العرب لن يستعيد كماله إلا باسترداد أثمن قطعه انتزعت منه.

اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا من لا يُرد أمره، ولا يُهزم جنده، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، أن تلطف بأهلنا في فلسطين، وأن تمدّهم بنصرٍ من عندك. اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، واشفِ جرحاهم، وتقبّل شهداءهم في عليين. اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسوهم، وجياع فأطعمهم، ومظلومون فانتصر لهم؛ فلا ناصر لهم سواك، ولا مأوى لهم إلا إليك. اللهم احفظ مسراهم، المسجد الأقصى المبارك، واجعله شامخاً عزيزاً إلى يوم الدين، وارزقنا فيه صلاةً آمنين مطمئنين. اللهم عليك بمن ظلمهم وبغى عليهم، وزلزل الأرض من تحت أقدام الطغاة، وأرِنا فيهم عجائب قدرتك. اللهم صبّ الصبر في قلوب أهلنا في غزة والقدس وكل شبر من أرض فلسطين صبّاً، وثبّت أقدامهم، واربط على قلوب الأمهات والآباء، واجعل لأطفالهم ملكاً من عندك يحرسهم. اللهم بدّل خوفهم أمناً، وحزنهم فرحاً، وضيقهم فرجاً عاجلاً غير آجل. اللهم وحّد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق، واجعلهم يداً واحدة في وجه من عاداهم. يا رب، إن طال ليل الظلم فإن فجرك قادم لا محالة، فأرِنا فجر حرية فلسطين وشعبها قريباً رأي العين. اللهم استجب دعاءنا، ولا تردنا خائبين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. آمين يا رب العالمين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 12:15