البواريد يكتب: كيف أعاد الباص السريع تعريف الوقت داخل المدينة؟

منصور البواريد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 21:32
تعد أزمة النقل في عمان مشكلة ازدحام مروري وتأثيرها كان يتسلل يوميًا إلى تفاصيل حياة الناس، من العمل والدراسة وحتى الحالة النفسية للمواطن داخل المدينة. ساعات طويلة كانت تستهلك في الطرق، وطاقات تهدر وتستنزف بين الانتظار والاختناقات المرورية، إلى درجة أصبح فيها الوقت نفسه جزءا من الأزمة. فمن هنا جاءت أهمية مشروع الباص السريع بالشراكة بين رؤية عمان الحديثة للنقل وأمانة عمّان الكبرى باعتباره محاولة حقيقية لإعادة تنظيم حركة المدينة، وليست مجرد إضافة وسيلة نقل جديدة.

فالمشروع غيَّر طريقة تنقل شريحة واسعة من المواطنين داخل العاصمة، الموظف الذي كان يخرج قبل ساعات خوفا من التأخير، والطالب الذي كان يستهلك جزءا كبيرا من يومه بين المواقف والازدحام، أصبح يمتلك قدرة أكبر على الوصول بوقت أكثر انتظامًا واستقرارًا، فالمسارات المخصصة للباص السريع خففت من حالة الاستنزاف اليومية التي عاشها الناس لسنوات طويلة داخل الشوارع.

أهمية المشروع لا تتوقف عند اختصار الوقت، لأن الباص السريع أعاد بناء جزء من ثقة المواطن بالنقل العام بعد سنوات ارتبطت فيها المواصلات بالفوضى وعدم الانتظام وضعف الاعتمادية. اليوم بدأ كثير من المواطنين ينظرون إلى النقل العام باعتباره خيار عمليّ يمكن الاعتماد عليه يوميًا، وليس حل اضطراري مؤقت، فهذه النقطة بالذات تمثل تحول مهم في عقلية المدينة وسلوكها الحضري.

فرؤية عمان الحديثة للنقل تدير منظومة تشغيلية تحاول جاهدا رفع مستوى الخدمة داخل قطاع النقل العام، من خلال تنظيم الخطوط، وتحسين تجربة الركاب، والالتزام بالمواعيد، وتطوير بيئة النقل داخل الحافلات والمحطات، وهذا ما جعل أثر المشروع يظهر بشكل واضح في الحياة اليومية للناس، خاصة للفئات التي تعتمد بشكل مباشر على وسائل النقل للوصول إلى أعمالها ودراستها؛

لكن الأثر الأهم للمشروع ربما يظهر على المستوى الحضري والاجتماعي داخل عمان نفسها. المدن لا تتغير فقط عبر الأبنية والجسور، وإنما عبر الطريقة التي يتحرك بها الناس داخلها.

الباص السريع بدأ يخلق شكلا مختلفا لعلاقة المواطن مع المدينة؛ علاقة أكثر تنظيم، وأكثر اعتماد على الوقت، وأقل ارتباط بالفوضى اليومية التي كانت تتحكم بإيقاع الحركة داخل العاصمة. كما أن وجود نقل عام حديث ومنظم يخفف تدريجيا من فكرة أن التنقل الجيد حكر على من يمتلك مركبة خاصة، ويمنح شرائح أوسع قدرة أكبر على الحركة والعمل والتعليم بتكلفة معقولة.

ولم يعد أثر المشروع محصورا داخل عمان فقط؛ لأن امتداد خطوط الباص السريع نحو الزرقاء ومادبا والسلط بدأ يخلق شكل مختلف للعلاقة بين العاصمة ومحافظات محيطة بها تعتمد يوميا على الحركة نحو عمان.. آلاف الموظفين والطلبة والمراجعين الذين يتنقلون بشكل يومي بين هذه المدن والعاصمة باتوا يمتلكون خيار أكثر انتظام واستقرار من حيث الوقت والكلفة. وهذا لا يعزز سهولة التنقل فقط، وإنما يخفف أيضا من الضغط المروري على مداخل عمان، ويفتح الباب أمام بناء شبكة نقل أوسع تربط المحافظات ببعضها بطريقة أكثر كفاءة وحداثة.

المشروع يحمل كذلك بُعدا اقتصاديا واضحا، فتخفيف الازدحام يعني تقليل استهلاك الوقود، وتقليل الوقت الضائع داخل المركبات، وتخفيف الضغط على البنية التحتية والشوارع.. أي مدينة تنجح في حماية وقت مواطنيها تنجح تلقائيا في رفع كفاءة الحركة والإنتاج داخلها؛ لأن الاقتصاد بحجم الوقت الذي تستطيع المدينة توفيره للناس بدل استنزافه يوميا في الطرق.

ورغم النتائج الإيجابية التي حققها الباص السريع خلال فترة قصيرة، فما تزال هناك حاجة لتوسعة بعض المسارات، وزيادة الربط بين مناطق العاصمة، وتعزيز ثقافة استخدام النقل العام، خصوصا مع ازدياد أعداد المستخدمين يوم بعد يوم.

نجاح المشروع على المدى الطويل لن يرتبط بعدد الحافلات فقط، وإنما بقدرة المنظومة كاملة على التطور المستمر والاستجابة لحاجات المدينة المتغيرة، وهذا ما تفعله رؤية عمان للنقل.

ما يحدث اليوم في عمّان ليس مجرد تشغيل حافلات حديثة، وإنما إعادة تشكيل تدريجية لفكرة النقل داخل العاصمة. المشروع لا ينقل الركاب فقط، بل يحاول نقل المدينة نفسها إلى نموذج أكثر تنظيمًا واحترامًا لوقت الإنسان، القيمة الحقيقية للباص السريع هي الوقت، وهذا ما تفعله كوادر موظفي رؤية عمان الحديثة للنقل بكل تفان وأمانة وإخلاص؛ لكي ينجح المشروع ويتم تأمين المواطنين بكل أمان وسلاسه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 21:32